نيكولا ساركوزي أمام القضاء: فضيحة دولة أم تدنيس النّظام الديمقراطي؟

تطرح إحالة الرئيس الفرنسي الأسبق أمام القضاء بتهمة الفساد و التمويل غير القانوني

لحملته الانتخابية لعام 2007 أسئلة حارقة تتعلق بالمسؤولية السياسية و الأخلاقية التي وجب على السياسي التحلي بها و العلاقة بين السلطة القضائية و السلطة التنفيذية في النظام الديمقراطي. إحالة ساركوزي أمام القضاء لا تعني إدانته اعتمادا على مبدأ براءة المتهم حتى تثبت إدانته في محاكمة عادلة. لكن وقع القرار القضائي على الساحة السياسية الفرنسية و الرأي العام يتعدى فرنسا ليشمل كل الأنظمة الديمقراطية في الدول العريقة و الناشئة في بناء الديمقراطية، خاصة و أن القضية تطرح إمكانية تدخل دولة أجنبية، تتبنى نظاما غير ديمقراطي، في تمويل حملة انتخابية لزعيم سياسي في أحد أعرق الدول الديمقراطية في العالم.
التهم الموجهة للرئيس السابق ساركوزي ، و التي صاحبت قرار توجيه تهمة الفساد و التمويل غير القانوني لحملته الانتخابية، تعتبر خطرة بالكفاية لتطرح أسئلة هامة حول شخصية المتهم و صعوده إلى قمة هرم الدولة من ناحية ، وقدرة الأنظمة الديمقراطية على الدفاع عن نفسها من المخاطر الداخلية و الخارجية. و بالرغم من حدة التهم التي تشير إلى «فضيحة دولة» من الطراز الأول، فإن الرئيس ساركوزي حاول ، بعد إطلاق سراحه، أن يفند هذه التهم في مقابلة مع القناة التلفزيونية الأولى محاولا استعطاف الرأي العام و استخدامه ضد القضاء.

قرائن مذهلة
اعتمد القضاء على بعض القرائن المادية منها وثيقة للمخابرات الليبية تذكر «تمويل حملة ساركوزي من قبل الدولة الليبية» وتحمل توقيع موسى كوسة رئيس المخابرات في عهد القذافي. وطعن ساركوزي أمام القضاء الفرنسي في استخدام الوثيقة من قبل موقع «ميديا بارت» و حكمت المحكمة ضد الرئيس الفرنسي الأسبق في الابتدائي و الاستئناف. الوثيقة الثانية التي اعتمدها المحققون نابعة من دفاتر وزير النفط الأسبق الذي عثر على جثته في نهر بالنمسا . على صعيد آخر ثبت للقضاء أن كلود غيان، أحد مقربي ساركوزي و وزيره للداخلية ، قد فتح خزنة حديدية بصفة مشبوهة وتلقى تحويلات ماليّة معية زياد تقي الدين من ليبيا. أضف إلى ذلك أن القضاء رصد استعمال مبالغ مالية ب 30 مليون يورو نقدا لمكافأة العاملين في الحملة بصفة غير قانونية.

وحسب القانون الفرنسي الذي يعتمد على الشهادات فإن القضاء جمع شهادات متعددة أجمعت على وجود تمويلات ليبية لفائدة الحملة الانتخابية لساركوزي لعام 2007. وجاءت الشهادات من العقيد الراحل معمر القذافي في حوار مع تلفزيون فرنسي وابنه سيف الإسلام وبشير صالح رئيس ديوان العقيد القذافي وموسى كوسة والوزير الأول الأسبق البغدادي المحمودي والوسيط الفرنسي اللبناني زكي تقي الدين الذي أعلن للقضاة وللصحافة أنه حمل مقدار 5،1 مليون يورو نقدا لكلود غيان ونيكولا ساركوزي.
كل هذه الأدلة التي تدين ساركوزي تطرح أسئلة. إما أن تكون، كما يعتبرها ساركوزي، «مؤامرة» ضدّه للانتقام من دوره في الحرب على ليبيا عام 2011 ، وهي لا علاقة لها بالواقع. وفي هذه الحال يتساءل المحلّلون عن دور القضاء في هذه «المؤامرة». وإما أن تكون بوادر «فضيحة دولة» كما جاء في الصحافة الفرنسية. وهو ما يفتح بابا أمام تساؤلات حول التلاعب بالنظام الديمقراطي.

«عراب اليمين»
استخدمت صحيفة لوموند يوم 22 مارس لنعت ساركوزي عبارة «عراب اليمين» مما يوحي أنّ الصحافة الفرنسية وقفت على البعد «المافيوزي» لرجل السّياسة الذي يواجه ستة تحقيقات قضائية بعد أن تمت تبرئته في ثلاث قضايا كلها تتعلق بالفساد والقيام بأعمال غير قانونية. المعروف اليوم لدى الرأي العام هو أن الرئيس ساركوزي متهم في قضية تصنت غير قانوني في قصر الإيليزي وأن حملته الانتخابية لعام 2012 فاقت السقف القانوني ب 20 مليون يورو وأن القضاء اكتشف تلاعبا متعلقا بتلك الحملة في ما يعرف بقضية «بيغماليون». وصرح منذ أسبوعين لوران فوكيي ، الرئيس الحالي لحزب الجمهوريين ، أمام طلبة في جامعة ليون أن ساركوزي كان يراقب هواتف جوال وزرائه و لم يتخل عن أقواله ولم يعارضه أحد، ابتداء من ساركوزي نفسه.

في كل هذه القضايا، وغيرها، نجد نفس الأشخاص المنتمين ل «نظام ساركوزي» وهم كلود غيان وبريس هورتفو، وزيران للداخلية، وبرنار سكوارسيني، رجل المخابرات وزياد تقي الدين، الوسيط الأساسي وبائع الأسلحة، الذي يخضع لتحقيقات قضائية في تمويل الحملة الانتخابية لإدوار بالادور . بعضهم يخضع لتحقيق قضائي. لكن «شبكة ساركوزي» تتعدى الرباعي الحالي إلى عدد من رجال المال و الأعمال الذين برز اسمهم في قضايا أخرى.

أسئلة محيرة
قضية ساركوزي هذه تطرح مسائل تتعلق بكيفية حماية النظام الديمقراطي من الممارسات غير القانونية خاصة في تمويل الأحزاب و الحملات الانتخابية و دور «المال الفاسد» في التأثير على قرار الشعوب عبر صناديق الإقتراع. وإن تساءلت المرشحة سيغولان روال عن صدقية انتخابات 2007 وعدم تكافؤ الحظوظ في صورة ثبت التمويل الليبي، فإن هذا التساؤل يبقى هو نفسه بالنسبة للبلدان التي تعمل على إرساء نظم ديمقراطية. البعد الثاني للقضية يتعلق بشرعية مقاومة الفساد السياسي من قبل السلطة القضائية بدون تسييس القضاء و الزج به في متاهات المعارك السياسية. وهو الخيط الرفيع الذي وجب على كل الأطراف المشاركة في العملية الديمقراطية الالتزام بعدم تجاوزه.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499