الانتخابات التشريعية الإيطالية: نحو تجديد عميق في القيادة السياسية؟

الأحد 4 مارس، موعد الانتخابات التشريعية الإيطالية، هو محل أنظار كل البلدان الأوروبية

التي شرعت خلال قمة بروكسل الأخيرة في مناقشة مستقبل الإتحاد الأوروبي، وكذلك أنظار بلدان المغرب العربي لما لإيطاليا من موقع في مسائل الهجرة غير الشرعية والأزمة الليبية. الأرقام المتوفرة لآخر عمليات سبر الآراء منذ منعها الأسبوع الماضي تشير إلى تشتت في المشهد الانتخابي وانقسامات حادة تمس كل العائلات السياسية.
الذي اتضح منذ أسابيع خلال الحملة الإنتخابية هو صعود حركة 5 نجوم بقيادة لويجي دي مايو ، 31 سنة من العمر، الذي خلف الكوميدي بيبي غريلو، مؤسس الحزب، لزعامته نحو الصعود إلى سدة الحكم. يحلم دي مايو بسيناريو يشبه ذلك الذي مكن إيمانويل ماكرون من دخول قصر الإيليزي. فهو يتقاسم معه الشباب والتموقع ضد اليمين و اليسار معا و مخاطبة كل اليائسين من نظام الحكم التقليدي و أحزابه التاريخية. حزب 5 نجوم يأتي في المرتبة الأولى ب 30 % من نوايا التصويت بعيدا أمام الحزب الديمقراطي الحاكم (23 %) و فورسا إيطاليا (17 %) و رابطة الشمال (14 %). حسب النظام الانتخابي الإيطالي المعقد، لا يمكن لآي حزب أن يتمتع بأغلبية في البرلمان إذا لم يحصل على 40 % من الأصوات وهو ما لا يتوفر اليوم في التنظيمات السياسية المشاركة في العملية الإنتخابية.

تجديد المشهد
حسب معطيات مؤسسات الاتصال، يطمح الرأي العام الإيطالي في تجديد المشهد السياسي بعد فشل الأحزاب السياسية التقليدية في تجسيد استراتيجيات تخرج إيطاليا من أزمتها الخانقة وتقلص وطأة السياسات التقشفية المفروضة من بروكسل. لذلك شاهدنا صعود حركة 5 نجوم و تنامي ظاهرة الأحزاب المتطرفة العنصرية في أقصى اليمين على حساب الحزب الديمقراطي (من اليسار) و حزب فورسا إيطاليا لزعيمه سيلفيو برلسكوني (من اليمين). لكن حركة 5 نجوم كانت تشكو من شخصية زعيمها الفوضوي و المشاكس، صاحب الأطوار و المواقف المتقلبة و الداعي إلى الخروج من اليورو ومن الإتحاد الأوروبي و الذي قضى سنين طويلة في مهاجمة كل الأحزاب و شتم زعمائها.
مع تولي لويجي دي مايو ، ذي المواقف المعتدلة، زعامة الحزب تمكنت حركة 5 نجوم من أن تبرهن على نيتها في تولي مقاليد الحكم و أن تتحول من حزب معارض فوضوي إلى حزب حاكم. و استجاب الناخب الإيطالي في الانتخابات البلدية الأخيرة بمنح الحركة الفوز في عدة مدن هامة على رأسها العاصمة روما. هذه المرة أعلن دي مايو يوم 6 فيفري أنه يتخلى عن الإستراتيجية المقاومة لبروكسل قائلا: «الإتحاد الأوروبي هو البيت الطبيعي لبلدنا و كذلك لحركة 5 نجوم. الإتحاد الأوروبي هو المحيط الطبيعي الذي وجب على إيطاليا أن تواصل فيه تطوير علاقاته الاقتصادية و السياسية». و أضاف أنه سوف يعمل على تغيير السياسات التقشفية الأوروبية المفروضة من قبل ألمانيا، مراهنا على تقهقر قدرة أنجيلا ميركل على التحكم في شريكها الاشتراكي في الحكم و صعود دور إيمانويل ماكرون الداعي إلى تغيير السياسات الأوروبية.

السيناريوهات المستحيلة
كل الأرقام المتاحة لا تمكن أي حزب مشارك في الانتخابات من التفرد بأغلبية في البرلمان و مجلس الشيوخ. لذا وجب التكهن بتحالفات حزبية ممكنة ، ولو أنها تبدو على الورق مستحيلة لما لحدة اللهجة المتبادلة و الشتائم اليومية الملقاة على وسائل الإعلام بين مختلف الزعماء السياسيين. لكن السياسة هي فن الممكن الذي يقرب البعيد. الواضح اليوم أن تحالف برلسكوني مع الأحزاب الفاشية العنصرية (رابطة الشمال و الإخوة الإيطاليون) الذي يمكنه أن يحصـــل علـــى 31 % من الأصوات ليس له حظ في التحالف مع باقي الأحزاب المتمسكة بالمشروع الأوروبي.

يبقى التكهن بسيناريوهات بديلة تتمحور حول المشروع الأوروبي. في هذا الإطار لم يخف برلسكوني أنه قابل بمنح رئاسة الحكومة لرئيس البرلمان الأوروبي الحالي تاجاني في صورة نجاحه في الانتخابات. وهو ما يفتح الباب على تغيير التحالف و التوجه لحركة 5 نجوم أو الحزب الديمقراطي لتشكيل أغلبية. في نفس الاتجاه أقر ماتيو رانزي ، زعيم الحزب الديمقراطي، في آخر خطاب له بأن «الحزب الديمقراطي لن يسجل نتائج كبيرة» و أنه «مهما كانت النتائج لن يكون الحزب الديمقراطي ممرا لتشكيل أية حكومة سواء مع دي مايو أو مع برلسكوني».

إذا كرست الانتخابات ما هو متوقعا، أي نجاح حركة 5 نجوم بنسبة تقارب 30 %، فما يبقى للرئيس الإيطالي إلا مطالبة لويجي دي مايو، حسب الدستور، بتشكيل حكومة جديدة. تعديل موقف دي مايو في شأن أوروبا يساعده على الدخول في مفاوضات من أجل تشكيل حكومة ائتلافية إما مع سلفيو برلسكوني و يكون لها طابعا ليبراليا مناهضا للمهاجرين أو مع ماتيو رانزي و تكون متجهة نحو مقاومة سياسات التقشف الأوروبية مع تشديد السياسات المتعلقة بالهجرة. لكن الانتخابات، في آخر الأمر، لا تخضع لتكهنات المحللين بل لمصالح الناخبين التي يعبر عنها صندوق الاقتراع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499