جولة ماكرون الإفريقية: تجديد الخطاب الرسمي الفرنسي تجاه القارة السمراء

شكلت زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون لبوركينا فاسو يوم 28 نوفمبر أول محطة في رحلته الإفريقية التي تشمل الكوت ديفوار، أين يشارك في القمة الأوروبية الإفريقية

 وغانا، أول بلد إفريقي ناطق بالإنغليزية يقوم بزيارته. محادثاته مع الرئيس كريستيان كابوري شملت تدشين أول محطة كهربائية للطاقة الشمسية. لكن خطابه أمام طلبة كلية وغادوغو شكل مرحلة مفصلية لما جاء فيه من تجديد للخطاب الرسمي الفرنسي تجاه القارة السوداء.

أمام 800 طالب تم اختيارهم من قبل السلطات، و في غياب طلبة منتفضين خارج مبنى الكلية على زيارة الرئيس الفرنسي، ألقى إيمانويل ماكرون خطابا تاريخيا مخالفا في الأسلوب و المحتوى لكل ما عرف عن «سياسة فرنسا الإفريقية» ، الموروثة عن مرحلة التحرر و الضامنة لمصالح القيادات التاريخية التي تولت زمام الأمور بعيد استقلال الدول الإفريقية الفرنكوفونية. وطرح ماكرون بحرية وبجرأة غير معهودة في العرف الدبلوماسي جملة من القضايا أمام الطلبة كسرت جملة من العادات الكلامية التي طغت على الخطابات الرسمية.

تحرر من صورة المستعمر الكلاسيكية
أراد الرئيس الفرنسي أن يقدم نفسه بعيدا عن المسألة الاستعمارية التي لا تزال تهز ضمائر الناس في إفريقيا خاصة أنهم يتعايشون مع جيوش فرنسية مرابطة في عدد من البلدان الإفريقية. وأقدم، في خطوة جريئة و مفاجئة، على التصريح بتحرير الوثائق الفرنسية المتعلقة باغتيال الزعيم طوماس سانكرا الذي يعتبره الشباب الإفريقي أيقونة التحرر مثل الزعيم الثائر تشي غيفارا. وهو ما يسمح للقضاء البوركيني من الوصول إلى تفاصيل الاغتيال.

و عبر ماكرون أمام كلية وغادوغو عن شجبه «جرائم الاستعمار» دون استعمال عبارة «ضد الإنسانية» التي استعملها في الجزائر وجلبت له انتقادات حادة في فرنسا. كما شهر بسوق العبيد التي فضحتها شبكة سي ان أن و أوضح ردا على سؤال من إحدى الطالبات أن من قام بهذه الفظاعات هم أفارقة و ليسوا أوروبيين بيض معتبرا أن على الأفارقة أخذ زمام الأمور. كذلك وعد بدعم فرنسي لمخططات التربية و التكوين و عبر عن أمله أن يتولى الطلبة بعد تكوينهم في فرنسا الرجوع للنهوض بإفريقيا.

رهانات المستقبل

في العموم كان خطاب ماكرون موجها نحو إرساء نظرة مستقبلية خاصة أنه اعتبر أنه «لا يعرف إلا إفريقيا المتحررة»، قارة ما بعد الإستعمار مثل مخاطبيه من الطلبة. و أراد أن يجرهم نحو بلورة نظرة مستقبلية تاركين النظريات الإديولوجية التي تشدهم لصراعات الماضي. و لم يستثن أن تقدم بوركينا فاسو ، إن أرادت ذلك، على الخروج من عملة الفرنك الإفريقي الموحدة.

لكن موقفه تجاه محاربة الإرهاب و نشر اللغة الفرنسية تحت غطاء الفرنكوفونية جعله يرجع إلى ثوابت السياسات الفرنسية القديمة. فأعتبر أن «تطوير التعاون مع دول الساحل الخمس لا بد أن يوصل إلى النجاحات الأولى من أجل القضاء على الإرهاب». في هذا الملف تمسك ماكرون بتواجد القوات المسلحة الفرنسية في إفريقيا و بلعب دورها ضد الإرهاب في منطقة الساحل الإفريقي.. أما تدعيم الفرنكوفونية فهو غطاء للتوسع الثقافي الفرنسي في المنطقة الإفريقية. و لوح ماكرون بتطور اللغة الفرنسية لتصبح اللغة الأولى في إفريقيا مع التنامي الديمغرافي للقارة.
ترك ماكرون بصمة في بوركينا فاسو بتواصله مع الطلبة الشباب و باعتقاده الراسخ أن مستقبل العلاقات الدولية سوف يحسم في القارة الإفريقية التي، حسب كل الدراسات الدولية، سوف تصل إلى ملياري نسمة في حدود عام 2030. وهي تشكل بالنسبة لفرنسا و لأوروبا ، التي تجتمع مع الإتحاد الأفريقي يوم 29 نوفمبر في ساحل العاج، مستقبل القارة الأوروبية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499