ماكرون ضد ترامب انشقاق في استراتيجيات القوى العظمى

أظهرت الخطب الأولى لزعماء العالم أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة المنعقدة في دورتها 72 ، وخاصة كلمات دونالد ترامب وإيمانويل ماكرون، شرخا في استراتيجيات الدول العظمى. ففي حين أطلق ترامب تهديديات صارمة ضد «الدول الأوغاد» وحذر ، بلغة الكاو بوي،دولة كوريا الشمالية بـ«تدميرها بالكامل»، ركز الرئيس الفرنسي على تعلقه بالأمم المتحدة و بالتعاون الدولي المتعدد الأطراف.

أربعة مواضيع جسمت الاختلافات العميقة بين الجانبين تمحورت حول التعامل مع الأزمات في العالم وقضية الاحتباس الحراري و مسألة إصلاح الأمم المتحدة و أخيرا النظام العالمي الجديد. ترامب و ماكرون كان لهما لقاء لأول مرة مع المنتظم الأممي بعد انتخابهما. و كانت هذه مناسبة لتوضيح استراتيجيات أمريكا وفرنسا في عهديهما. لكن ذلك أفضى إلى إظهار خلاف عميق بين الدولة العظمى الأولى وفرنسا التي هي، في صلب الإتحاد الأوروبي، الدولة الوحيدة النووية التي تحظى بمقعد في مجلس الأمن و التي لها جيوش منتشرة في جل قارات العالم.

ملف الأزمات
مما يستنتج من الوهلة الأولى، الولايات المتحدة تحت إدارة دونالد ترامب تضع نفسها في دور الشرطي في العالم. ترامب صنف، مثل ما قام به جورج بوش قبله، بعض الدول ك «دول أوغاد» تمثل خطرا على العالم وهي سوريا وإيران وكوريا الشمالية وفنزويلا. و توعد كوريا الشمالية بـ«تدمير كامل» و إيران بفض الاتفاق النووي «المخجل» وفنزويلا بالتدخل «لإعادة الديمقراطية للشعب». في كل هذه القضايا جاء خطاب الرئيس الفرنسي معارضا للتوجهات الأمريكية المعلنة .
اعتبر ماكرون في خطابه أن أفضل طريقة لحل المشاكل في العالم تكمن في الحلول السلمية عبر التفاوض. من ذلك أن اقترح تشكيل «مجموعة اتصال» في الملف السوري تسهر على تقريب وجهات النظر و تنظيم اجتماع تشارك فيه كل الأطراف الفاعلة في سوريا من معارضة و نظام و دول جوار تحت غطاء أممي. و بالرغم من تنديده بالموقف الكوري الشمالي فلا يزال الرئيس الفرنسي يعتقد أن الحل الأمني ليس بحل، بل أن إرغام النظام الكوري على التفاوض، عبر مشاركة روسيا و الصين في ذلك، هو الحل الوحيد المتاح أمام «تقدم البرنامج النووي العسكري» الكوري. أما في شأن الملف الإيراني، فقد اعتبر ماكرون أن نقضه يعتبر «خطأ جسيما».

أمريكا تخرج من اتفاقية «كوب 21»
الملف الثاني الذي ركز عليه ترامب هو خروجه من اتفاقية «كوب 21» حول الاحتباس الحراري، ضاربا عرض الحائط قرار «المجتمع الدولي» و متحديا كل الدول الموقعة على الإتفاقية. وقد حاول الرئيس الفرنسي في عدة مناسبات إقناع ترامب بإرجاء قراره ولكنه تمسك بموقفه. أما ماكرون فقد أعلن أن «الاتفاقية لن تكون محل تفاوض» وأن الدول الممضية «لن تتراجع» عن موقفها. واقترح أن تتولى منظمة الأمم المتحدة تحضير اتفاقية دولية حول المناخ وإدماج محتوى «كوب 21» في القانون الدولي. ثم أعلن عن تنظيم مؤتمر دولي في باريس يوم 12 ديسمبر القادم لدراسة تطبيق الإتفاقية.

إصلاح منظمة الأمم المتحدة
منذ حملته الانتخابية أظهر دونالد ترامب عداء للمنظمة الأممية وطالب بمراجعة مستوى التمويل الأمريكي لها. و هاهو يكرر نفس الطلب مركزا نظرته للإصلاح حول مستوى الميزانية في حين تسهر المنظمة على حماية السلام العالمي في كل القارات عن طريق قوات حفظ السلام. أما إيمانويل ماكرون فقد اعتبر أن الأمم المتحدة هي الفضاء الأساسي الذي وجب تطويره للحفاظ على الأمن و السلم من ناحية و تكريس القيم الكونية من حرية ومساواة وتضامن من ناحية أخرى.
واقترح الرئيس الفرنسي إعادة النظر في «امتيازات» الدول المشاركة في مجلس الأمن المتمثلة في حق النقض و توسيع رقعة التمثيلية فيه و ساند بصورة واضحة مشروع الأمين العام الإصلاحي. و في حين يدير ترامب ظهره للمسائل العالقة في العالم، و يقتصر على التهديد والوعيد دون تقديم أي حل خارج عن استعمال القوة، يركز ماكرون على العمل الجماعي و الالتفاف حول الأمم المتحدة لحل مشاكل الهجرة والفقر في العالم و التخلف و الصحة العالمية.

النظام العالمي الجديد
ربما أهم محور أظهر التباين بين ترامب و ماكرون هو الموقف من النظام العالمي الجديد. بالنسبة للرئيس الأمريكي تأتي «أمريكا أولا». وأعلن من أعلى المنبر الأممي أنه خصص مبلغ 700 مليار دولار لتطوير القدرات العسكرية للولايات المتحدة الأمريكية مؤكدا النظرة العدائية التي احتوى عليها خطابه. و دعا الدول الأخرى أن يعتني كل واحد بمشاكله. وهو ما يعني انحلال «المجتمع الدولي» الذي تأسست حوله العلاقات الدولية منذ الحرب العالمية الثانية.

في نفس المناسبة، أكد الرئيس الفرنسي على حرصه على ارساء نظام عالمي متعدد الأقطاب يحكمه التشاور والتفاوض و العمل المشترك. وكان خطابه في هذه الفقرة ملحميا أظهر فيه تعلقه بالمبادئ الكونية التي تأسست من شأنها المنظمات العالمية والهادفة إلى ضمان السلام العالمي وحماية الحقوق الأساسية والحرية والمساواة بين البشر. وكان من الواضح أن ليس للرئيس الأمريكي استراتيجيا يمكن أن يقدمها للعالم. بل اقتصر على عرض عضلاته أمام دول صغيرة ليس لها القدرات العسكرية الأمريكية. وذلك شأن الدولة العظمى منذ أن غرقت في حرب فيتنام وكوريا ثم في شتى الحروب التي قادتها في أفغانستان و صربيا والعراق وغيرها من مناطق العالم. المشهد الذي أعطاه للعالم ترامب وكامرون لا ينبئ بخير. إذ يجد العالم اليوم نفسه منقسما بين دولة عظمى تحت إدارة «غير مضمونة» واتحاد أوروبي في حالة تشتت و دول صاعدة (دول البريكس) تبحث عن موقع في نظام عالمي جديد لم يستقر بعد. لكن كل هذه الجهات الفاعلة في العالم تبدو في حالة سباق على الزعامة دون أن تتضح لشعوب العالم الفائدة من ذلك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499