قهوة الأحد: قوران بريقوفيتش Goran Bregovic ورحلة البحث عن الحلم والأمل للروح الغجرية

تميزت برمجة مهرجان الحمامات الدولي هذه الصائفة مقارنة بعديد المهرجانات الكبرى الأخرى بالثراء وبمحاولة الجمع بين أنواع موسيقية وثقافية مختلفة. فإلى جانب العروض الموجهة للجمهور العريض كعرض المطرب الجزائري الشاب خالد كان للمهرجان عروض للتعريف بعديد المشاريع الموسيقية لملحنين

وموسيقيين تونسيين شبان. إلا أن الذي شد انتباهي في هذه البرمجة هو انفتاحها على ما يسمى موسيقى العالم أو musique du monde وهنا أريد الإشارة إلى بعض العروض لأهم تيارات هذه الموسيقى وأحد على المستوى العالمي. فكان عرض المطربة المغربية زهرة هندي والتي قامت بعمل كبير لتثوير وتجديد الموسيقى المغربية التقليدية. كذلك أود الإشارة إلى فرقة «مشروع ليلى» اللبنانية والتي تم منعها في عديد البلدان العربية الأخرى كالأردن نظرا لتناولها كل المواضيع المحظورة والمحرمات في الثقافة العربية كالجنس والدين. كما دعا مهرجان الحمامات كذلك عازف الجاز اللبناني الأصل إبراهيم معلوف والذي أصبح اليوم أحد أيقونات الجاز المعاصر على مستوى عالمي.

كما استمتعت هذه الصائفة بمشاهدة مجموعة «الڤوستو «El Gusto» الجزائرية على مسرح الحمامات وكنت خصصت لها وللموسيقى الشعبية إحدى مقالاتي السابقة.

سأخصص مقالي اليوم لأيقونة أخرى للموسيقى العالمية والذي كان مهرجان الحمامات الوحيد الذي استضافه ككل العروض الجديدة والهامة الأخرى وهو المغني الصربي الأصل قوران بريقوفيتش. كانت سهرة رائعة وممتعة تابعها جمهور غفير صاحب المغني في ترحاله عبر قرون من الاضطهاد والألم التي عرفها الغجر على مدى تاريخهم وترجموها في أغانيهم وأشعارهم وموسيقاهم.

عرفت قوران بريقوفيتش سنة 1988 عندما لحّن الموسيقى التصويرية لفيلم «Le Temps des gitans » أو «فصل الغجر» للمخرج اليوغوسلافي في تلك الأيام أمير كوستوريكا. لم يكن كوستوريكا مخرجا مغمورا في ذلك الوقت فقد تحصل على السعفة الذهبية لمهرجان كان السينمائي لسنة 1985 عن شريطه « Papa est en voyage d’affaires » أو «أبي في رحلة عمل»وهو ما يعني في مسكوت الأنظمة الاستبدادية انه في السجن. وقد كان هذا الشريط مفاجأة كبيرة للعديد منا باعتبارنا لم نكن نعرف هذا المخرج الشاب القادم إلينا من يوغوسلافيا. وقد قام في شريطه بقراءة نقدية فيها الكثير من السخرية والألم لتجربة يوغوسلافيا وتجارب هذه الأنظمة السياسية والتي وضعت على عاتقها مهمة تحرير الطبقة العاملة وبناء جنة على الأرض عوضا عن انتظار يوم البعث لهذه السواعد التي بنت المجتمعات المتقدمة ورفاهتها. إلا أن هذه التجارب فشلت فشلا ذريعا ودفنت الأحلام المغدورة في ثنايا وآلام الاستبداد.

إلا أنه بعد هذا الفيلم الهام سينتقل المخرج أمير كوستوريكا إلى الاهتمام بشعب الغجر وتاريخه الطويل وترحاله المتواصل للهروب من القمع والاستبداد والتمتع بالحرية لينتج عديد الأفلام أذكر منها « Arizona Dream » سنة 1993 الذي سيتحصل على الدب الذهبي في مهرجان برلين و »underground » سنة 1995 والذي سيتحصل به من جديد على السعفة الذهبية لمهرجان كان الدولي وسيواصل أمير كوستوريكا إبداعاته السينمائية ليقدم عديد الأفلام شاهدت أغلبها وأذكر منها خاصة « chat noir, chat blanc » سنة 1998 أو كذلك الفيلم الكبير الذي خصصه للاعب الأرجنتيني الشهير مارادونا سنة 2008 والذي بقيت منه في مخيلتي عديد الصور لعل أهمها أغنية المغني الفرنسي الشاب Manu chao والذي سأحدثكم عنه يوما في إحدى المقالات القادمة والتي خصصها لمارادونا وبعنوان « La vida una tombola » أو « la vie est une tombola » (الحياة ورقة حظ). وأعتبر هذا الفيلم من أهم الأشرطة التي تم إنتاجها عن كرة القدم حيث لم يقتصر الحديث على المستطيل الأخضر بل تجاوزه إلى الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية والتي تجعل من كرة القدم انعكاسا لكل التناقضات والآمال والأحلام المغدورة التي تعتمل في المجتمع.

جملة الأشرطة التي أخرجها أمير كوستوريكا لم تجعل منه فقط في رأيي أحد أهم المخرجين السينمائيين في العالم إلى جانب المخرج الألماني قيم فيندارس wim wenders بل مكنته كذلك من الغوص في تاريخ الغجر وترحالهم وذهابهم وإيابهم. وهذا الغوص وهذا الإبداع مكنه من إنتاج قراءة عميقة لإشكالية الترحال والتيه والتشرد للهروب من الاستبداد والقمع ولبناء عالم من الأمل والحرية على أنقاض الهياكل البالية والتقليدية وفي إطار هذا السفر في دفاتر التشرد والترحال التقى المخرج الصربي بالموسيقي قوران بريقوفيتش ليؤلفا معا سيمفونية حب ووله للغجر وهذه الشعوب التي صالت وجالت في الأرض حتى الضياع في بعض الأحيان للهروب من الاستبداد والحفاظ على الحلم والأمل في مواجهة الاضطهاد. وسيكون المغني قوران بريقوفتش هو الحافظ لذاكرة الغجر وتاريخ المعاناة والألم والفرح والابتسامة من خلال السهر على حماية تراث الغجر وتجديده وجعله مؤاتيا لروح العصر وكتابة أغاني وتلاحين جديدة من خلال إدخاله لكتابات موسيقية من نوع Rock أو Jazz لفتح ثقافة الغجر على العالم. وهنا تكمن أهمية المغني والملحن قوران بريقوفيتش فإلى

جانب كونه أحد أهم الموسيقيين والملحنين في العالم أصبح العديد من مخرجي الأفلام يتجهون إليه لكتابة الموسيقى التصويرية لأفلامهم مثل شريط « La reine margot » للمخرج الفرنسي « Patrice chéreau » فقد تمكن من خلال الأغاني والأناشيد والموسيقى من المحافظة على تاريخ الغجر وحماية هذه الذاكرة من التلاشي والضياع في ترحالهم وتجوالهم. ومن خلال الغناء والموسيقى تمكن قوران بريقوفيتش من كتابة تاريخ الألم والاضطهاد الذي عرفه الغجر طوال تاريخهم الطويل مما حكم عليهم بالترحال والتشتت للدفاع عن حريتهم والهروب من الاضطهاد. زيارة الذاكرة الجماعية للغجر من خلال الحفل الساهر الذي نظمه مهرجان الحمامات مع قوران بريقوفيتش مكننا من الاطلاع على هذه العلاقة المتينة والراسخة والعضوية بين الموسيقى والإبداع والألم والاضطهاد والحلم.
ولعل الغجر كانوا إلى يومنا هذا أكثر الشعوب عرضة للاعتداء والاضطهاد والرفض مما يفسر قوة الألم والحنين والمشاعر الفياضة والجارحة التي تؤثث الفن والغناء الغجري. وقد كانت رحلة الغجر منذ البدايات رحلة ترحال وتيه وتشتت للهروب من الاضطهاد والاعتداءات المتكررة على حريتهم ورفضهم الامتثال للقوالب الجاهزة والتقاليد البالية.

وترجع علاقة الغجر بالترحال والتيه إلى عصور بعيدة ترجعها بعض الدراسات التاريخية إلى بداية القرن العاشر عندما اضطروا للرحيل والهروب من أراضيهم الأصلية في الهند وإيران لتفادي نظام الطوائف والطبقات الاجتماعية السائدة هناك. ويعتبر هذا النظام الغجر من الطوائف الدنيا التي لا يمكن لها أن تقوم إلا ببعض الوظائف دون غيرها ولا يمكنهم الاستقرار داخل المدن. ومنذ ذلك التاريخ الغابر سيصبح السفر والترحال في كنه وجوهر الروح الغجرية.

إلا أن الترحال والتيه لم يمنعا سوط التسلط والاضطهاد من التعرض للغجر وتسليط عليهم أقسى أنواع الازدراء والتشهير والرفض. فقد كان الغجر عرضة لكل الممارسات العدائية من قبل الشعوب المستقرة التي صادرت حقوقهم وحتى إنسانيتهم واعتبرتهم على مر التاريخ

مواطنين من درجة ثانية. فكانت ممارسات الترحيل القسري والنفي والرفض وحتى القتل كما جاء في الأمر الذي أصدره ملك بروسيا عام 1725. وستتواصل هذه المعاملات وهذا الاضطهاد وسيصل إلى قمة الشناعة والعنف مع النظام النازي الذي اعتبر منذ وصوله إلى السلطة أن الغجر شعب غير آري وبالتالي يجب مكافحتهم ودرء خطرهم. وسيرتقي تعامل النظام النازي إلى درجات أكثر وحشية عندما أمر هتلر سنة 1943 بترحيل الغجر إلى معسكر الموت بأوشفيتز ليأمر بتنفيذ الحل النهائي عليهم كما اليهود سنة 1944. وسيقضي عدد كبير منهم نحبه في معسكرات النازيين ليكون الغجر أحد ضحايا عملية الإبادة الجماعية التي عرفتها الإنسانية مع الحركات الفاشية في الحرب العالمية الثانية.

وبالرغم من شناعة الاضطهاد الذي تعرض له الغجر خلال الحرب العالمية الأولى فقد تواصل هذا الحقد والكراهية والرفض والتهميش إلى يومنا هذا في كل المجتمعات الأوروبية. وقد حاول الغجر الهروب من هذا الوضع ودفن هذا الألم الدفين في الفن والغناء. فكانت الموسيقى الغجرية أحسن سلاح للصمود أمام الاضطهاد ولتحدي التعسف بالإبداع والأمل.

وقد نجح المغني قوران بريقوفيتش في التعبير عن هذه المشاعر المتناقضة وهذا الألم الكامن في عمق الروح الغجرية للحفاظ عليه وتقديمه للعالم علنا نكتشف من خلال الموسيقى عمق المشاعر وتلاطم الأحاسيس عند شعوب البلقان والذي مكنهم من مجابهة الاضطهاد بحب الحياة وبالانغماس فيها حتى الشغف والجنون. فأصبح يجول في العالم مع فرقته الموسيقية ليمزح ويغني ويفرح ويدعو الناس إلى اكتشاف الإنسان الكامن في الروح الغجرية الدفينة بالرغم من قرون من الاستبداد والاضطهاد.

وقد نجح قوران بريقوفيتش في هذه السهرة الرائقة في مسرح الهواء الطلق بالحمامات في استمالتنا ودعوتنا للانغماس بدون مقدمات في الموسيقى الغجرية لنكتشف مكامن الحلم والابتسامة والأمل بالرغم من جراح التاريخ وآلام سياسات رفض الآخر ونفي التعدد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499