في إدارة: ملفات الفساد

ما الجديد الطارئ في القضية التي شغلت التونسيين هذا الأسبوع؟

بالتأكيد ليس ملفّ الفساد في حدّ ذاته، ولا الثقافة التي صاحبته وترسّخت طيلة عقود من الزمن. فالتونسيون يعرفون كيف تُنظّم عمليات «التحايل بسلطة القانون» للسطو على ممتلكات الغير، ويفهمون كيف تنمو الشبكات المتخصّصة في استغلال خيرات البلاد وكيف تتطوّر أساليبها وتتّسع قاعدتها. ويقرّ التونسيون أيضا بأنّ مظاهر الفساد صارت تمثّل جزءا لا يتجزأ من معيشهم اليومي يعاينونها في كافة القطاعات وبدرجات متفاوتة، ولكنّهم يؤثرون في الغالب، التزام الصمت طلبا للسلامة أو عملا بالقولة «يوم عليك ويوم إليك».

ولكنّ الجديد هو كيفيّة التعامل مع قضايا الفساد وتدبيرها من الداخل(المسؤولون المباشرون وأهل الاختصاص الدقيق...) ومن الخارج( قانونيا وسياسيا وإعلاميّا ) فذاك أمر لا عهد للتونسيين به إذ قلّما مثّلت قضية فساد قضيّة رأي عامّ . ويعزى اهتمام التونسيين بقضيّة الحال إلى الوعي الذي أفرزته التحولات الأخيرة التي مررنا بها. فهي التي أدّت إلى تحرّر الإعلام من الرقابة والضغط، وإقبال التونسيين على ممارسة حريّة التعبير وظهور مجتمع مدنيّ أكثر تنظما وفاعلية يطالب بالالتزام بمبادئ (الحوكمة، الشفافية، المساءلة...)واعتماد آليات واستراتيجيات كفيلة بالحدّ من استشراء الفساد من جهة، وتكريس الديمقراطية وتحقيق التنمية، من جهة أخرى. يضاف إلى ذلك مأسسة الهيئة التي تعنى بمكافحة الفساد والضغط من أجل محاسبة المفسدين.

وما يسترعي الانتباه في الجدل الذي صاحب إقالة وزير الطاقة وكاتب الدولة وعدد آخر من الموظفين أوّلا: تعدّد الروايات وتضاربها وجنوح بعض المُقالين إلى تبرير ما حدث باللجوء إلى توظيف استراتيجية التأويل هروبا من تحمّل المسؤولية ومن ثمّة يغدو الإلمام بالتفاصيل الدقيقة عسيرا. وثانيا ميل «اللاعبين» إلى تقمّص أدوار مختلفة على الركح الإعلامي على جه الخصوص، ولكن هل تكمن غاية هذه «المباريات» في الكشف عن الحقيقة وإنارة الرأي العامّ مثلما يزعم أصحابها وعدد من الإعلاميين أم أنّ الهدف هو «التشويش» و«التضليل» و«المغالطة» وكسب «الجولة» بتعبئة الجماهير؟ أمّا الملاحظة الثالثة فتكمن في السلوك الذي ميّز عددا من الوزراء المُقالين فكلّما اعفي أحدهم من مهامه أضحى «ضحيّة المؤامرات» ووطنيّا مصرّا على كشف المستور ،وهو سلوك مخبر عن تصوّر الفاعلين السياسيين للعمل وللمناصب و«الكراسي» فالواحد منهم لا يستقيل متى اكتشف الفساد ولكنّه يفضّل «غضّ البصر» حفاظا على امتيازات تعلّق قلبه بها. وتتمثّل الملاحظة الرابعة في الدور الذي اضطلع به بعض الإعلاميين والصحفيين والمحللين وأشباههم إذ صار هؤلاء شركاء في تضليل

الرأي العامّ ، راغبين في الدفاع عن مصالحهم حتى وإن أدّى الأمر إلى التضحية بالمهنية وما تتطلبه من نزاهة وحياد وحسن استقصاء ... ولعلّ قضيّة الحال مناسبة للنقاش حول الأداء الإعلامي ، ودور صحافة الاستقصاء، وأهميّة التخصص،وأخلاقيات المهنة وغيرها.

إنّ ما يعنينا في قضية إقالة من لحقت بهم شبهة فساد ليس البعد القانوني فللقضاء دوره في إجلاء المستور، ولا البعد السياسي فالتوظيف والتستر و«التوافق» على عدم محاسبة المسؤولين، وحمايتهم ممارسات معلومة ولا وجود لإرادة سياسية على تغيير هذا الواقع، ولا يعنينا كذلك التعاطي الإعلامي فللقطاع هنات لا مرية فيها وللهيئات الخاصة دور التعديل، إنّ ما يشغلنا هو ما سيترتب عن إدارة ملفات الفساد من انعكاسات على مسار التحوّل الديمقراطي فهذه الاختبارات محرار لمعرفة مسار الديمقراطية في بلادنا. وها قد تبيّن أنّ القوم يفهمون الديمقراطية بمعنى الأغلبية العددية التي تسمح بنيل السلطة وتحقيق الغلبة متجاهلين الصلة الوثيقة بين الديمقراطية والأخلاق والآداب والممارسات والمبادئ... وها أنّ القوم يستغربون كيف يقال وزير دمث الأخلاق ونقابيّ متناسين أنّ من تبعات تحمّل المسؤولية إقالة من أخطأ في تقدير الأمور وتدبير الملفات لا لسوء أخلاقه بل لعجزه عن تبنّي سياسة ضامنة للشفافية والحوكمة الرشيدة...وها أنّ القوم يعدّلون القوانين ولا يعرفون فلسفة وضعها . إنّ أساس القانون لا الزجر بل التعبير عن رغبة المجتمع في التقدّم والرقيّ.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499