حركة نداء تونس: تغير موازين القوى لصالح الشاهد فهل ينتفض قائد السبسي الابن؟

يوما عن يوم، تغرق سفينة المدير التنفيذي لنداء تونس حافظ قائد السبسي،

مما دفع بالمحتمين بها إلى الفرار أفرادا وجماعات لتجنب الغرق معه، خاصة وإنهم لا يستشرفون مستقبلا سياسيا للرجل بعد سنة وثلاثة أشهر من الآن، لترجح كفة يوسف الشاهد، الغريم الجديد لقائد السبسي الابن، ويصبح وجهة القافزين من المركب الغارق.

في ردّه على «الانقلاب الناعم للكتلة» قال القيادي بحركة نداء تونس خالد شوكات، ان النواب هم من تربطهم مصلحة بالحزب ويحتاجونه وليس الحزب من يحتاجهم، هذا دون ان يغفل الرجل عن القول ان الأخلاق السياسية والمنطق يجعلان النواب مدينين للحزب بمواقعهم مثلهم مثل بقية قادة وأبناء النداء الذين يتصدرون اليوم مواقع في الدولة.
قول شوكات فيه جزء من الصواب، ان تعلق الأمر بان المصلحة هي ما يحكم الفعل السياسي/الحزبي بشكل رئيسي، اي ان أعضاء الحزب يأخذون بعين الاعتبار مطامحهم الشخصية والسياسية في التموقع وإعلان المواقف في عدد من الملفات التي تكون في علاقة بالصراع الحزبي.

حقيقة أكدتها حركة نداء تونس، مع تنسيب الامور، في كل ازماتها الداخلية التي مرت بها، منذ الصراع بين ما اطلق على نفسه في نهاية 2014 وبداية 2015 بالتيار الإصلاحي في الحركة، وهي مجموعة كانت من انصار المسؤول الأول عن الهياكل والتنظيم في الحزب حينها، حافظ قائد السبسي، إلى غاية الأزمة الأخيرة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والمدير التنفيذي حافظ قائد السبسي.

ففي كل الأزمات كان الطموح الشخصي، بتفاوت في الدرجات بين الجميع، عنصرا محددا في ترجيح كفة احد أطراف الصراع، وكانت الى غاية ماي الفارط كفة المدير التنفيذي للحزب حافظ قائد السبسي نجل رئيس الجمهورية ومؤسس نداء تونس الباجي قائد السبسي راجحة ففي صراعه من اجل التموقع صلب الحزب ومسك احد اهم اجهزته، اصطف بعض الطامحين خلفه، ودعمه بشكل صريح او خفي وقدم له النصيحة واقنع والده بالدفاع عن حظوظ ابنه.

زمرة احاطت بابن المؤسس ظلت تتغير مع تغير المعادلات والمطامح، بالنسبة لهم او للمدير، لينتهى الامر منذ 2017 الى تشكل الحزب على معادلات جديدة، اقحمت فيه مجموعة من الوافدين في اجهزة الحزب وامسكت به رفقة نجل الرئيس، سواء بالترهيب او الترغيب، فمن عارض وقعت احالته على لجنة النظام الداخلي وصدر فيه قرار بالطرد، هذه الخطوة يقع اللجوء اليها بعد فشل سياسة الترويض الناعمة، عبر التذكير بان الانتخابات التشريعية القادمة لا يمكن الفوز بها من خارج النداء، والاستناد الى ان وجود «الرئيس المؤسس» هو ضمانة كافية لاستمرار الحزب ونجاحه، اذ سرب تسجيل لنجل الرئيس بهذا المعنى،«طالما الرئيس في القصر نحن بخير».

هذه الكلمات اقنعت جزءا لا باس به من الندائيين، بالبقاء في الحزب وتجنب الخروج من الحياة السياسية مبكرا، وببقائهم اقتربوا اكثر من نجل الرئيس وبات بعضهم من خاصته، الى حين الايام الاخيرة، انقلب كل شيء، فمستقبلهم السياسي لم يعد مع حافظ قائد السبسي بل مع غيره.
غيره هو ما كان محل بحث منذ فشل النداء في الانتخابات الجزئية بالمانيا، ولاحقا في الانتخابات البلدية التي مني فيها الحزب بخسارة اراد ان يجعلها انتصارا، وان يقنع الجميع بانه قادر على قلب التراجع الى فوز باكبر عدد من رؤساء البلديات، لكنه الى غاية امس استمر في التعثر.
تعثرات ذكر ببعضها يوسف الشاهد في خطابه الذي اعن فيه عن الحرب المباشرة على المدير التنفيذي، مثلما وجه فيه دعوة للندائيين الى الاصطفاف حوله لانقاذ حزبهم من مجموعة قائد السبسي الابن التي بات وجودها مهددا لاستمرار الحزب.

دعوة ظلت لحوالي الشهر غير مستجابة، من قسم هام من الندائيين، الذين خير بعضهم ان يصطف في شق نجل الرئيس ظنا منه ان الرئيس سينتصر لابنه، لكن حسابات البيدر تسقط حسابات الحقل، فما انتظره المنتصرون لحافظ قائد السبسي لم يأت فالرئيس رفض التدخل مرارا وتكرارا رغم الضغوط المسلطة عليه.

رفض التدخل، هو الوقوف على الحياد، وهذا ظل لفترة غير مفكوك الشفرة من قبل قسم هام من الندائيين، من ظل في الربوة يراقب او انتصر لقائد السبسي الابن، لكن تتالي الايام ارهقت انفسهم الطامحة لضمان مستقبل سياسي، فمع كل يوم يمضي يحقق الشاهد بعض التقدم في صراعه، لينتهى الامر الى اصطفاف قسم هام من الكتلة خلفه، وتعلن لجنة كلفت باعداد تقييم سلبي على اداء الحكومة الانتصار للشاهد والدفاع عن بقائه، مما افقد مجموعة حافظ رباطة جأشهم.

فقدان رباطة الجأش استمر مع استمرار انفلات اوراق اللعب من يد انصاره، وتفاقم مع جلوس الامين العام لاتحاد الشغل نور الدين الطبوبي الى طاولة يوسف الشاهد في جلسة تفاوضية كانت هي الأولى منذ اندلاع الازمة بين الاتحاد والحكومة. ولئن السياسة تقوم على التلميح مثل التصريح، فهم أنصار المدير التنفيذي ان الاتحاد الذي أرادوا ان يستغلوا التقاءهم معه في موقفه من الحكومة، جلس معها وفتح نقاشات انتهت باعراب الطبوبي عن رضاه عن مجريات اللقاء.

رضا من الاتحاد قبله بحث عن انقاذ النفس من قبل عدد من انصار نجل الرئيس والمحسوبين عليه في نداء تونس، لتتسارع الخطوات والاتصالات للاعراب عن الدعم او عدم الرضا على النهج الذي اتخذه المدير التنفيذي ومجموعته، وبل ادانة صريحة لعدد من المقربين منه.
هذه المراجعة يبدو ان الشاهد سيتلقفها، وسيبحث عن توظيفها في حربه، فالشاهد مثله مثل جزء هام من قادة النداء، يدرك ان النجاح في مسعاه مرتبط بقدرته على تلبية طموح الفاعلين في النداء، وتوفير ضمانات لهم بان مستقبلهم معه سيكون أفضل مما هو عليه مع جواد خاسر.

لكن ورغم هذه التطورات التي تصب في مصلحة الشاهد، لا تزال المعركة بين الرجلين، الشاهد وقائد السبسي الابن، في اوجها وكل الاحتمالات وان كانت غير منطقية تظل واردة، فالسياسة كلعبة الشطرنج، خطأ وان كان صغيرا قد يكون سببا في خسارة مباراة، واحيانا التضحية بالوزير وهو أقوى قطعة على الرقعة، تضمن الفوز ولنا في مباراة بوبي فيشر ودونالد بيرن سنة 1956 خير دليل.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499