تنسيقية الدفاع عن القرآن والدستور: علماء الدين يبحثون عن احتكار الكلام باسم الله والدستور

يبدو ان معركة «الحريات الفردية والمساواة» بين الباحثين عن الحق والمصادرين له باسم الله، قد استهلت اذ اطلت امس مجموعة من «رجال» الدين يتصدرهم نور الدين الخادمي

ليعلنوا ان ما تضمنه التقرير «فتنة» وضلالة تستهدف «الدين» وثقافة الشعب التونسي، وهم سيكونون في صفوف المتصدين لهذه البدعة، باعتبارهم «جند» الله الذين سلطوا على عباده ليقودوهم الى جنات عدن وحماة الدستور التونسي الذي يصادف انهم كانوا من رافضيه.

باسم الدفاع عن الدين الإسلامي، مرة أخرى، عقدت مجموعة من المنتسبين لجمعيات دينية او نشطاء سابقين في حركات إسلامية، ندوة لتقديم موقفهم من تقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، والموقف كان كما هو منتظر «الرفض» شكلا ومضمونا وفق ما اعلنه نور الدين الخادمي، وزير الشؤون الدينية في حكومة الترويكا سابقا.

الخادمي لعب دور المتحدث باسم مجموعة ضمت عددا من المجازين في الشريعة والفقه وايضا نائبا سابقا في المجلس التأسيسي عن حركة النهضة، نجيب مراد، اجتمعت كلها على رفض ما تضمنه تقرير اللجنة ومقترحاتها المتعلقة بالحريات والمساواة، وقد استندوا في رفضهم لـ «حماية القران والدستور التونسي»، وللمفارقة جلهم كان من المعارضين لدستور جانفي 2014 بل ان النائب المؤسس كان من القلة التي صوتت بـ«لا» على الدستور برمته في 26 جانفي 2014.

لكن هذا الرفض لم يمنعهم من ان يغلّفوا رفضهم لمشاريع القوانين المتعلقة بالحريات الفردية او بالمساواة بين الجنسين، بغلاف احترام فصول من الدستور التونسي واحترام الشريعة الاسلامية، من ذلك قول الخادمي الذي يشغل اليوم خطة أستاذ علم المقاصد بجامعة الزيتونة أن التقرير الذي اصدرته لجنة الحريات الفردية والمساواة، مرفوض لانه غير مبني على استشارة مع مؤسسات علمية كجامعة الزيتونة او اخذ راي مؤسسة الافتاء، خاصة وان الاحكام الفقهية واضحة في جملة من المسائل، ولا مجال فيها للاجتهاد.

فالاجتهاد وفق ما يريد المشاركون في الندوة له اهله، وهم اهله الذين احتكروا حق التاويل والشرح، وليست اللجنة التي اعتبروا انها قدمت تقريرا تضمن «اخطاء علمية» تعلقت باصول الفقه ومقاصد الشريعة وبتفسير القرآن وشرح الاحاديث النبوية. وليس هذا فقط بل علم الاجتماع والقضاء و الحقوق والقوانين.

اخطاء في العلوم الشرعية والدنيوية رصدتها المجموعة التي اعربت عن استعدادها لتقديم يد المساعدة واصلاح التقرير وما يتضمنه من مقترحات، لتستجيب لمعاييرهم الدينية والدنيوية، وان كان اصل الرفض هو فهم المجموعة لمقترح المساواة في الميراث وفي النفقة على الاسرة والقوامة عليها او في الغاء تجريم الحريات الفردية، فانه ايضا تطرق الى الحقوق المدنية وحماية الحياة الخاصة ومنع التعذيب، اذ يعتبر المتحدث باسم اللجنة ان ما تضمنه التقرير «ايجابي» لكن غير كاف فهي لم تخضع لـ«تحقيقات علمية والى شراكة حقيقية بين مختلف الاطراف ذات العلاقة» وفق رأيه.

لينتهي الخادمي الى دعوة رئيس الجمهورية الباجي قايد السبسي إلى استقبال عدد من علماء الزيتونة ونخبة من علماء القضاء والقانون والعلوم الاجتماعية لبيان راي علمي تخصصي في ما يتعلق بتقرير لجنة الحريات الفردية والمساواة، خاصة في الجانب المتعلق بالأسرة وبأجساد الناس.والدعوة ايضا وجهت لعثمان بطيخ مفتي الديار التونسية ليقدم فتوى في التقرير باعتبار انها مبادرة دينية تتعلق بالقرآن والسنة والأحوال الشخصية والعدة والميراث ويجب ان يكون له رأي صريح.

هذا ولم يغفل الخادمي ومن معه عن القول بان تنسيقيتهم ستنظر «علميا»/ اي فقهيا، في التقرير قبل ان تقدم حلولا إصلاحية ومبادرات لحماية المقدسات و الاسرة وفق المرجعية الدستورية والشرعية، على ان يقع التوجه لاحقا الى رئاسة الجمهورية بها والى البرلمان.

الخادمي ، وهو الفخور بتجربته في المملكة العربية السعودية سواء كطالب او كاستاذ، ليس فقط من لعب دور الوصي والمصلح، بل ايضا فاطمة شقوت أستاذة القران وعلومه بجامعة الزيتونة، التي اختزلت التقرير بقولها انه «مساواة الفضيلة بالرذيلة»، لتعلن رفضها التام لمقترحات تتعلق بحقوق المراة والاسرة والنسب.

اذ تشترك هذه الاستاذة مع «اخوتها» من الرجال في اعتبار مضمون التقرير «كارثة» على المجتمع بسبب «طغيان» حقوق الفرد على المجموعة والمس من الامن الثقافي والسلمي للتونسيين.

هكذا كان مضمون ندوة صحفية جمعت وجوها عرف عنها طوال السنوات السابقة قدرتها على تعديل مواقفها وفق قراءتها الخاصة، وطبيعة الجالسين على الكراسي وهوية الأنظمة التي تسير، وجعل الامر يبدو كانه انتصار لله ولدينه، في تحريف واضح ومقصود لجوهر النقاش.

نقاش الحريات الذي أعيد فتحه بصدور التقرير، ليس نقاشا بين «جائز او لا يجوز» او تحليل وتحريم، فلا التقرير أو أهل الجنة أصدروا فتاوى تبيح او تمنع بل هم قدموا قراءة منطلقها الوحيد هو «حماية» الإنسان وحقه وحرمته في ظل دولة تقف سلطتها خارج الفضاءات الخاصة وبعيدا عن التقييمات الاخلاقوية.

لكن يبدو جليا ان المسار لا يتعلق بمواجهة الدولة واجهزتها التي اعتادت على لعب دور الوصي على المواطنين بل بمجموعة من المنتفعين بعضهم يتخذ الدين او العمل الجمعياتي مطيّة له، على غرار الوزير السابق الذي كان منذ سنوات قليلة يشجع على «الجهاد» في سوريا، ويتبنى القراءة الوهابية ويسعى لنشرها في تونس، قبل ان يصبح اليوم من المدافعين عن المدرسة الزيتونية.

الخادمي او مراد وشقوت لا يبدو انهم يدافعون عن الإسلام ولا عن مقاصده، بل عن عرف يجرم كل شيء، الحريات والمساواة، ويدفعون لعودة النقاش لمربع «الحلال» و«الحرام» وفرز التونسيين إلى صفين، صف خاضع لتصورهم هم القوم المؤمنون وصف خارج عنهم هم القوم الضالون.

هذه المجموعة التي اتخذت اسم تنسيقية الدفاع عن القرآن والدستور، تريد زجنا في نقاشات خاطئة، فالملفات التي فتح النقاش حولها لا تتضمن اجابتها «حلال» ام «حرام» انما اين تقف سلطة الدولة والمجتمع في علاقة بحرمة الفرد وحريته، واي تجسيد قانوني لمبدإ المساواة بين المواطنين.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115