رحيل المناضلة والامينة العامة السابقة للحزب الجمهوري: وداعا ميّة

بات لنا مع الموت أكثر من ثأر، فقد أرهقنا بفواجع لم يعد بالمقدار عدّها، جلّ من أحببنا واحترمنا غادرنا، وها هي ميّة ترحل عنا هي

الأخرى لتفاقم فجائعنا، وميّة ليس مثلها شيء لترثى كما يرثى الآخرون، فلا كلمات تصف ميّة ولا حزنا ودمعا يكفي ميّة، فكفوا لسان المراثي، هذا الموت عن سائر الموت يختلف.

دلني كيف أرثي من لا تكفه النوائح، كيف تنقل الكلمات الحزن وهي عليلة، شحيحة، لا تصل إليك وقد «اعتزلت الحياة»، ميّة الجريبي رحلت ومعها رحلت شمسنا، فهل يكفي هكذا قول؟.وهل يشهد على شاهد عاصر كل آلامنا وكل دمانا التي سالت من الصراع اليوسفي البورقيبي وكانت ابنة ليوسفي لم تحمل ضغينة للحبيب بورقيبة فكيف للكرام ان يضغنوا او يحقدوا .

ميّة ليس مثلها احد، لا شيء يشبهها، لا شيء يختزلها، ميّة الساكنة في قلوب الناس، والقلوب مسكن الحق - تخبرك ان البلاد دهرها دهران، دهر رسمي متثاقل الخطى مطمئن للصناديق، ودهر ثائر يصرخ ليوقظ فتية الحي، ويخبرهم ان هم غفلوا ان «طريق الحق قلّ سالكوه».

ميّة القادمة منّا نحن الهامش منّا نحن المنسيين، من الداخل الذي أبهتت ألوانه السنين ففقد لونه ولم تفقده مية، فظلت امينة وصية عليه، تنقله إرثا للواقفين تحت السماء يبحثون عن شمس تنير طريقهم لتونس اخرى ممكنة، تونس الالوان، الفرح والعدل، والمساواة.

حلم رافق الجميلة وانتقل منها عدوى الينا، فلم نبحث عنها من اين اتت؟ من بوعرادة بولاية سليانة. ولا اين استقر بها المقام؟ برادس جنة اليسار التونسي. ولا اين درست وتخرجت؟ معهد رادس وجامعة صفاقس. ولا اين كانت اولى خطاها؟ في الاتحاد العام لطلبة تونس. وعن اول وليدها؟ التجمع الاشتراكي الديمقراطي وعن اخر رفيقها؟.....

ميّــة قلــب الشــارع، وهو يعلم قصة أهله، فاسأل الجموع تدلّك وتخبرك بقصة النحيلة فوق الأعناق، كيف رفعت لتشرق شمس تجّب ظلمات «الغاز المسيل للدموع» في شارع الحبيب بورقيبة منذ حررته ورفاق لها بجسدها، وجسدها كان هبتها لتونس. ميّة نص لا يكتب دون حب وحزن، نص صوفي ان طالك مسّك ولع، فتدور دورة درويش أصابه ولع.

رحلت ميّة وبرحيلها، لم يعد للقول بدّ، قف وابكي واحمل وصاياها، الحق اولى بان يتبع، والرفاق صحبة الدرب نستمر ان سقطوا، والشمس تشرق وان طال ليلنا، وليلنا مخضب بالفجائع والدم، فانهض واحمل حلمك وفأسك واقتف اثر ميّة وطريق الحق يعرف باصحابه واصحابه كانوا هدفا لعصي البوليس كلما تعالت الاصوات بالحرية زمن القمع وزمن الثورة التحفت بثوب افغاني فصادرت صوت امراة وصفته بانه عورة.

ميّة ما كانت يوما عورة لنحجبها بل كانت قديسنا الذي ينطق فنتبعه اتباعا لها يوم دافعت عن حق من قمعها قالت بان لا يظلم وان على الرفاق ان لا يشمتوا فالكريم يعفو عندما يقتدر فاقتدرت وعفت وتعففت ورحلت.

وداعا يا من اشرقت معها شمسنا وارتفع صوتنا.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499