تحليل إخباري: أزمة الحكم في تونس حكومة ثالثة للباجي قائد السبسي أم فرصة ثالثة ليوسف الشاهد ؟ !

السياسة في بلادنا، وفي كل بلاد العالم، ككرة القدم العبرة فيها بالنتائج خاصة وأن لا أحد في عالم السياسة -

على عكس ما يحصل أحيانا في دنيا كرة القدم - يعترف لخصمه بمزية اللعب الجميل ..

وبما أن النتائج الاقتصادية والاجتماعية في بلادنا سيئة – رغم حماسة بعض أنصار نظرية نصف الكأس الملآن – وأن قدرة احتمالنا لا تتجاوز ثلاث أو أربع مقابلات دون انتصار فقد بات من شبه المؤكد أن تغييرا ما سيطال اما فريق الحكم او رأسه ما دمنا لا نستطيع تغيير الجمهور / الشعب ولا رئيس النادي / البلاد..
فحكومة ضعيفة الإسناد ،سياسيا وحزبيا، لا يمكنها أن تصمد أمام غياب إسناد المنظمات الوطنية الكبرى ونقصد هنا بالتحديد الاتحاد العام التونسي للشغل واتحاد الصناعة والتجارة والصناعات التقليدية، إذ أجمعت كلا المنظمتين على أن البلاد تشكو من أزمة قيادة وأزمة رؤية وأنه لا يمكننا أن نواصل هكذا بتعلّة أن الاصطدام بالحائط لم يحصل بعد..
النقد الذي وجهه اتحاد الشغل في اجتماع هيئته الإدارية يوم الأحد الماضي للحكومة قوي للغاية إذ يقول في النقطة الثانية لبيان الهيئة الإدارية ما يلي :

« نسجل تأزّم الوضع السياسي في البلاد نتيجة غموض الرؤيا وعودة التجاذبات بتأثير المحطّات الانتخابية المرتقبة واغراءات المواقع وضعف التنسيق بين دوائر القرار بل وتناقضها أحيانا وغياب البرامج وعدم الالتزام بالأولويات وعدم ترجمة تلك الأولويات إلى خارطة طريق واضحة. وننبه إلى التداعيات السلبية لهذا الغموض وللسياسات الليبرالية على مزيد تازيم الوضعين الاقتصادي والاجتماعي. ونؤكد على ضرورة تقييم الأداء ومدى الالتزام بالأولويات في ظل توسع دائرة العجز والتقصير ،ونطالب بسرعة توضيح الأفق السياسي وضخّ دماء جديدة في جميع مفاصل أجهزة الدولة بما يعطي لهذه الأجهزة النجاعة الضرورية والجدوى الأساسية وينقذ البلاد ممّا تردّت فيه وممّا يتهددها من مخاطر».
لاشك أن اتحاد الشغل تجنب النقد المباشر لرئيس الحكومة ولكن هذا النقد الشامل لطريقة أداء الجهاز التنفيذي لا يعفي أحدا من المسؤولية خاصة وأن القيادات النقابية البارزة قد أكدت في الأيام الأخيرة على أزمة القيادة في البلاد وأن تونس تحتاج إلى «ربّان» قوي يعرف أين يسير ويتحمل مسؤوليته كاملة في إخراج البلاد من أزمتها الحالية ..
والسؤال هنا هو كيف ستتصرف منظومة الحكم مع هذا المطلب الملح للمركزية النقابية المسنود بنسبة ما من قبل منظمة الأعراف وإن كان لغايات مختلفة ؟ !

كل الفرضيات ممكنة ما عدا التجاهل التام لمطلب اتحاد الشغل لأن هذا التجاهل ستكون له عواقب وخيمة على المدى القصير إلا لو قررت منظومة الحكم بأسرها (أي رأسي السلطة التنفيذية والأغلبية الحزبية الداعمة لهما) الدخول في صراع مفتوح مع المنظمة الشغيلة ..
أما الموقف الذي عبّر عنه رئيس الحكومة في الحوار التلفزي على القناة الوطنية والمتمثل في حق اتحاد الشغل في النقد والاقتراح ولكن التغيير الوزاري هو من الصلاحيات الحصرية لصاحب القصبة فهذا الموقف لم يعد قادرا على الصمود بعد أن تكثف نقد النقابيين.. الحكومة بصفة خاصة ومنظومة الحكم بصفة أعم لابد أن يجيبا بالسلب أو بالإيجاب عن مطلب اتحاد الشغل والواضح أن كل إجابة ستنتج عنها نوعية خاصة من العلاقة مع المنظمة الشغيلة وقد تنعكس سلبا أو إيجابا على مسارات الإصلاح الاقتصادي والاجتماعي المعطل إلى حد الآن .

والسؤال الهام هنا هو كيف سيتصرف رئيس الجمهورية تجاه هذا المعطى الجديد ؟
هل سيطلق مبادرة جديدة كتلك التي أطلقها في جوان 2016 ،للسعي للخروج من هذه الأزمة الجديدة أم سيحث يوسف الشاهد على تعديل بعض الأوتار ولو بصفة جزئية بشكل لا يجوع معه اتحاد الشغل ولا تشتكي من ويلاته رئاسة الحكومة، أم أن صاحب قرطاج سيرجئ الأمر إلى ما بعد الانتخابات البلدية حتى يكون التغيير المزمع إدخاله مستجيبا لموازين القوى

السياسية التي سيفرزها الصندوق يوم 6 ماي القادم ؟
ويكمن الإشكال كله في البحث عن نفس جديد يسمح لمنظومة الحكم بالمواصلة إلى نهاية عهدتها الدستورية أي أواخر سنة 2019 والحال أنه بدا عليها إعياء كبير وهي في ثلثي المدّة ..
لو لم نكن على مشارف انتخابات بلدية لكان الحل الأمثل هو في انتخابات تشريعية سابقة لأوانها تعاد فيها الكلمة للشعب وتتقدم فيها كل القوى السياسية الفاعلة بتصوراتها المفصلة لإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية والاجتماعية بل والأخلاقية بالأساس لأننا نجني اليوم عواقب عدم التزام من ربحوا الانتخابات بتطبيق البرنامج أو الأفكار التي على أساسها حازوا ثقة الناخبين فقال السياسيون ما لم ينجزوا وأنجزوا ما لم يتعهدوا به ويلتزموا به إبّان الحملة الانتخابية ..

هذا الحلّ الأمثل لم يعد متاحا اليوم إذ لا معنى لاجراء انتخابات تشريعية سابقة لأوانها قبيل أشهر معدودات من موعدها الدستوري ولكن ما بين مارس 2018 وجانفي أو فيفري 2020 الموعد المحتمل لتشكيل الحكومة المنبثقة عن الانتخابات العامة لخريف 2019 هنالك حوالي السنتين ولا يعقل أن يهدر كل هذا الوقت في الانتظار ..
ويبقى السؤال الأبرز هو هل يملك يوسف الشاهد اليوم القدرة على إعطاء نفس جديد وقوي للعمل الحكومي بغض النظر عن تغيير الأسماء أي هل مازال قادرا على أن يكون فعلا ربّانا لسفينة تونس التي تتقاذفها الأمواج وان يوحد ويعقلن عمل الجهاز التنفيذي الذي بات أداؤه متصدعا اليوم من داخله لا من خارجه ؟
الأسئلة كثيرة والارتياب حول الإجابات أكثر

ولقد دخلت البلاد – كجل فرقنا الرياضية – مرحلة الشك والكل أضحى ينتظر «الرجة النفسية» ولكن من «الرجّات» ما قتل ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499