موعد الأربعاء: التّغوّل النّقابيّ ووهن الدّولة ...

«الخلل العظيم في العمران، إنّما يكون من خلل الدّولة». هكذا كتب ابن خلدون في مقدّمة (كتاب العبر وديوان المبتدأ والخبر)، مبيّنا في مراوحته التّاريخيّة والسّياسيّة أنّ لا شيء يُضعف العمران بقدر ضعف الدّولة على إعمال «سلطتها الرّادعة أمام العداوة والعنف السّائدين في الطّبيعة الحيوانية للإنسان»

واللذان يبرزان إلى السّطح كلّما هُدّدت مصالحه الذّاتيّة بمقتضيات العيش المشترك. فتتحضّر الدّولة إلى مرحلة الوهن والأفول كلّما ضعُفت في إعمال سلطتها الرّادعة أمام العداوة والعنف.
أليست السّلطة الرّادعة الخلدونيّة هي بالضّبط ما نُطلق عليه اليوم مصطلح «هيبة الدّولة»، أليست العداوة والعنف هما ما نعيش على وقعهما في هذه السّنوات الأخيرة؟

ولئن تعدّدت مظاهر وهن الدّولة وضعفها منذ الثّورة؛ من عجز أمام لبنات الإرهاب الأولى، والتي جعلت منّا البلد المصدّر الأوّل لآلة الموت، أو من عجز أمام مظاهر احتجاجات قصوى مسّت من الاستقرار الاقتصادي للدّولة وهي مظاهر كلّفتنا رحيل أهمّ الشّركات الأجنبيّة وعجزا اقتصاديّا موجعا؛ إلاّ أنّنا اليوم نعيش بامتياز على وقع وهن الدّولة أمام ظاهرة التغوّل النّقابيّ، وهو ما من شأنه أن يُعطّل حسن سير دواليب المرافق العامّة، وأن يُدخلها في عجز اقتصادي واجتماعي وسياسي أكبر ممّا يمكن أن تحتمله تونس اليوم.
لسنا نتحدّث هنا عن الحقّ النّقابي، كحقّ دستوري مكفول أو كممارسة خطّها فرحات حشّاد بدمه أو الحبيب عاشور بسنوات عمره أو غيرهم من المنّاضلين الذين رأوا في الحقّ النّقابي وسيلة لدفع الدّولة إلى الأمام ولإنقاذها من الدّيكتاتوريّة والفساد السّياسي. وإنّما نحن نتحدّث عن تشويه العمل النّقابي والانحراف به من أجل التبجّح بإخضاع الدّولة ومحاولة إضعافها أمام مصالح قطاعيّة، وربّما حتّى ذاتيّة ضيّقة.

العديد من نقابيّي اليوم عجزوا عن استبطان شرف العمل النّقابي، فانحرفوا به نحو ديكتاتوريّة المصالح، حتّى ولو أدّت إلى المسّ من هيبة تونس وحسن سير المرافق العامّة. نذكر ما حصل مع الأمنيّين مؤخّرا، وهو خطّ أحمر أطلق جرس الإنذار، أو ما حصل في المستشفى الجامعي بصفاقس ومحاولة توظيفه لطمس الفساد والكسل ومرض الضّمير المهني.

العديد من النّقابات تتصرّف وكأنّ «كبار الحومة» في حالة غيبوبة. التّحضير للمؤتمر الانتخابي القادم للاتّحاد على أشدّه، خاصّة وأنّ أغلب «كبار الحومة» سيرحلون بالضّرورة لعدم إمكانيّة تجديد ترشّحهم. هذا الانفلات النّظامي في قواعد الاتّحاد زادت من حدّته التّعدّديّة النّقابيّة التي، بدل أن تثري، أصبحت في تنافس للظّهور بمظهر الأشرس والأكثر قدرة على إخضاع الدّولة، وكأنّ التّغوّل الكلمة السّرّ وعلامة النّجاح النّقابي.

لم يُضرب «نقابيّو المستشفى الجامعي بصفاقس» للحالة المزرية التي أصبح عليها هذا المرفق العام الأساسي، من سوء تصرّف مالي وبشري وتبخّر أدوية وتلاعب بحياة المرضى كما يشتكي العديدون. مستشفى صفاقس رزق البيليك، يحيي على مشارفه النّقابيّون أفراحهم ويتغوّلون على السّلطة، مستغلّين سنوات النّضال السّابقة كقناع لزيف مطالبهم. صفاقس رمز العمل النّقابي، صفاقس الاتّحاد، اختلط فيها النّضال برائحة الفساد وسوء التّصرّف، واختفى الجميع أمام وهم الخوف من عسكرة المستشفى الذي لم يبق منه سوى الاسم. عسكرة المستشفى، تلك الكذبة الجميلة الواهية.

لا يفترض العمل النّقابي إضعاف الدّولة، ولا يُفترض من الدّولة أن تضعف أمام تغوّل العمل النّقابي. النّقابي ليس شخصا فوق القانون ولا مواطنا فوق العادة، إذ تُفترض محاسبته إن هو أساء للمرافق وللفنّ النّقابي.
النّقابيّون يصعّدون، ولكنّهم في خطى ثابتة نحو خسارة التّعاطف والقدرة على التّعبئة وهي رأس المال الوحيد لهم، والدولة مستمرة في رحلة الوهن، وبين هذا وذاك لا يكبر فينا سوى منسوب العنف.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499