المصالحة في المجال الإداري القانون المهزلة ....

ولد القانون الأساسي المتعلّق بالمصالحة في المجال الإداري الّذي صادقت عليه الجلسة العامة لمجلس نواب الشعب يوم الإربعاء 13 سبتمبر الجاري منبوذا كعدد من القوانين الأخرى الّتي عرفتها تونس في السنوات الأخيرة ، لأنّه لم يستقبل في أجواء من الترحيب والتهليل ،و لأنه أيضا كان معتلاّ في أكثر من موضع .

لذلك يلاحظ المطلع على هذا القانون الّذي أثار جدلا واسعا ، أنه كتب في عجل وأن أكثر من يد تدخّلت في صياغته ، و كان محل اقتطاع لعدة أحكام و فقرات من نص آخر، وهو ما يمكن أن نتبيّنه من مختلف الفصول الّتي كانت غير متجانسة وغير متناسقة و غير مترابطة و ضعيفة في فحواها و متضاربة في أحكامها .
إن الفصل الأوّل من القانون جاء في صياغة عامّة يكون موضعها في شرح الأسباب، لأنها خالية من أي صيغة للتعريف أو للأمر أو النهي ، أو الإشتراط أو الترتيب، أو غيرها من الصياغات المتعارف عليها في فنيات صياغة النصوص القانونية .
ونستشفّ التسرّع في الصياغة أيضا ،من ترتيب الفصول ، إذ بدل أن تتضمن الفصول الأولى تحديد مجال التطبيق و الشروط الواجب توفّرها ، و كيفية التطبيق، نص الفصل الثاني مباشرة على أنه « لا يخضع للمؤاخذة الجزائية الموظفون العموميون و أشبهاهم على معنى الفصلين 82 و 96 من المجلة الجزائية..» وذلك في صياغة عامّة و شاملة دون إعتبار ذلك إستثناءا بخصوص أفعال أتاها أشخاص معنيون مع توخي الوضوح في التحديد .

ثم وقع القفز مباشرة إلى تناول «الإنتفاع بالعفو» وتحديد الجهة التي تمنح هذا العفو دون بيان أي شكل من أشكال تحرير المطالب و ما يلزم ذلك من وثائق ودون تحديد أي شرط من الشروط الّتي يجب توافرها للإنتفاع بهذه الآلية ، ودون التعرض لآثار هذا العفو من تعويض أو إسترداد . كما خص هذا القانون هيئة تنظر في أي خلاف حول تطبيقه ، وإعتبر الطعن مطلبا و دعوى في نفس الوقت، بحيث إتخذ هذا الإجراء ثلاثة أشكال في نفس الوقت (طعن، دعوى ، مطلب) وهي أشكال مختلفة و وضعت دون تحديد أجل لهذا الإجراء في حين تمّ تحديد أجل الإحالة وأجل البت والتنصيص على عدم إمكانية الطعن في قرار هذه الهيئة .
وفي نفس الوقت يتعرّض الفصل 6 من القانون إلى الصورة الّتي يحصل فيها الخلاف طبق ما اقتضاه الفصل 5 و لكن في صورة حصول هذا الخلاف أمام سلطة قضائية (هكذا) فإن «المطلب الكتابي يستوجب توقيف النظر في الأصل إلى أن يقع البت في ذلك الخلاف من قبل الهيئة المذكورة »، و يظهر أن هذا الفصل أُقتطع من صياغة أخرى ، فبدا الفصل هجينا ، لأنه يتناول وضعية لا نجد لها أثرا في الفصول السابقة أو اللاّحقة .

أمّا الفصل الأخير فقد نص على أن أحكام هذا القانون تنطبق على الفترة الممتدّة من غرة جويلية 1955 إلى 14 جانفي 2011 في محاكاة لقانون العدالة الإنتقالية، و تجاهل آجال التقادم و إنقراض الدعوى و سقوط الأحكام ،و أعطى الإنطباع بأن تناول الموضوع كان بدون جدية و أضيف الفصل في الأخير لتدارك ما ورد بالفصل الثاني.
لن نتعرّض للأخطاء اللّغوية والنحوية ، و لن نغوص في الآثار السياسية والقانونية لهذا القانون ،و لا لما حصل عند عرضه على الجلسة العامّة لمجلس نواب الشعب ، و لكن نبقى نتساءل دائما عن هوية من يتكفّل بالتثبت في الصياغة النهائية و عمّن تولىّ عملية « Couper-coller » ليتحفنا بها القانون .
هذا القانون يبقى قابلا للطعن ، و طريقة صياغته تنمّ عن عدم جدية في صياغة النصوص القانونية ، و لعلّ صائغيه وضعوا في حسابهم هذا الطعن ، فإختاروا تمريره في هذا الظرف بالذات و في هذا الشكل، بغاية نزع «اللّوم» عليهم ، في انتظار أن يؤدي الطعن إلى تأجيل النظر في الموضوع إلى أجل آخر، و هي طريقة لا تختلف كثيرا عن طريقة تقنية «الغياب» الّتي تمّ إعتمادها لتجنب النظر في سد الشغور في الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات ، بغاية تأجيل الإنتخابات البلدية.

في كل هذا إستخفاف بالدولة و بمؤسساتها و تمييع للنصوص القانونية ، وإستنقاص من كفاءاتنا ،و تأكيد للدعوة إلى تطبيق مقولة : شد مشومك ..لا يجيك ما أشوم...» لأن التجربة أكدت في أكثر من مناسبة أن التعديل يزيد عّلة للعليل...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499