انطلاق التنسيق بشأن قانون مالية 2018: هل يستمر الود بين الحكومة واتحاد الشغل؟

يبدو ان اتحاد الشغل والحكومة قد وضعا قواعد بينهما في ما يتعلق بقانون مالية 2018، ليكون «التشاور» هو الكلمة المفتاح اليوم بين الطرفين لتجنب صدام مشابه لما وقع في مناقشة قانون مالية 2016، لكن التشاور لا يهدف فقط لنزع فتيل أزمة قبل وقوعها وإنما لتوجيه رسائل واضحة للغريمين، النهضة والنداء.

تطور العلاقة بين حكومة يوسف الشاهد واتحاد الشغل بات جليا منذ أزمة «تصريحات الغنوشي» التي طالب من خلالها الشاهد بعدم الترشح لانتخابات 2019، طلب اعتبره الاتحاد على لسان قادته «انقلابا ابيض» واصطفوا خلف الحكومة داعمين لها حتى قبل إعلان رئاسة الجمهورية عن موقفها من الأزمة.
دعم الاتحاد لحكومة الشاهد في أزمتها جعله الحليف الأول للحكومة، وهذا لا تسرّه الحكومة وحدها وإنما جل الفاعلين في المشهد السياسي، الذين باتوا يقسمون الساحة السياسية اليوم الى ثلاثة أجزاء، الاول يضم النداء والنهضة، الثاني يضم الحكومة والاتحاد وحركة مشروع تونس وآفاق تونس، والثالث يتسع ليشمل البقية.
تصنيف لا يغفل عن حقيقة ان بقاء الاتحاد في صف الحكومة مشروط بعدة اعتبارات، أولها قانون مالية 2018 وما قد يثيره من حفيظة النقابيين، خاصة ان تعلق الأمر بملف الزيادة في الأجور وبإصلاح الصناديق الاجتماعية وخوصصة جزء من المؤسسات العمومية وغيرها من الملفات الحساسة.

لكن بعيدا عن تصنيفات قادة الأحزاب وقراءتهم للمشهد السياسي الراهن، تحكم جملة من العوامل الموضوعية علاقة الاتحاد بالحكومة، لتجعلهما حليفين في ملفات وخصمين في غيرها، ونجاح الطرفين في تجاوز الخصومة هو محدد أساسي لشكل الساحة السياسية التونسية في قادم الايام.

العوامل المحددة اليوم سيكون على رأسها قانون مالية 2018، الذي دخل فترة التحكيم، ويبدو انه سيشهد تغيرات عدة بعد الجلسات المشتركة بين خبراء الاتحاد وخبراء وزارة المالية، اذ ان حكومة الشاهد اتفقت مع الاتحاد على عقد جلسات تنسيق وتشاور بخصوص قانون المالية.

جلسات تدرك الحكومة ان نتائجها ستكون سياسية بالأساس، فهي تقحم الاتحاد وتشركه في صياغة قانون المالية لهدفين رئيسيين، الأول تجنب صدام لاحق معه ان وقع عرض قانون المالية عليه بعد استكماله كما حدث في 2016، اي انها تريد ان تجعل الاتحاد مشاركا في صياغة المشروع ومدركا للاكراهات الكبرى التي يحتويها.
فحكومة الشاهد ووفق تعهداتها الدولية والداخلية ستكون مجبرة على ان يضم قانون المالية إشارة قوية بالإصلاح، تشمل عدم تعويض موظفي القطاع العام والعمومي لدى خروجهم على التقاعد، إضافة إلى سن قانون يشجع على التقاعد المبكر، بهدف الوصول الى تقليص عدد العاملين في القطاعين العام والعمومي كخطوة في اتجاه الضغط على كتلة الأجور.

النقطة الثانية التي تريد الحكومة ان تصل فيها إلى توافق مع الاتحاد تتعلق بالصناديق الاجتماعية وحتمية إصلاحها هيكليا، عبر الترفيع في نسبة المساهمة او اقتطاع مساهمة للصناديق من مصدر اخر كما يقترح الاتحاد. محل الخلاف الثالث سيكون مسألة خصخصة عدد من المؤسسات الاقتصادية العمومية، وهنا الاتحاد أعلن ان له جملة من الشروط لقبول الأمر. وأخيرا وليس آخرا مسألة صندوق الدعم.

كيفية معالجة هذه الملفات ستكون محددة للمرحلة القادمة، ليس في علاقة الاتحاد بالحكومة، وانما في كل تفاصيل الشان العام، واي تعثر في المعالجة سيكون له تداعيات وخيمة على حكومة الشاهد، فاي خلاف ولو بسيط مع الاتحاد سيقع استغلاله من قبل خصمي الشاهد، النهضة والنداء، لمزيد إضعاف الحكومة وتمهيدا لإسقاطها.
أمر يدركه الشاهد ولكن الإدراك وحده لا يكفي للخروج من «حقل الألغام» الذي وجد نفسه فيه، فكسب ود الاتحاد لن يكون دون ثمن، وحكومة الشاهد لا تملك الكثير لتقدمه للاتحاد، لذلك فان المعطى المحدد سيكون بيد قادة الاتحاد ومدى وقوفهم مع الشاهد كحليف.

فوقوف الاتحاد في صف الشاهد وقبوله بمشروع قانون المالية، الذي ينتظر أن يشمل جملة من الإصلاحات الجبائية، قد يسحب البساط من تحت الأحزاب والهياكل القطاعية لتجد نفسها قابلة بمشروع القانون دون إدخال أية تعديلات تمس من جوهره، كما حدث في 2016.

قانون مالية 2018 سيكون الرهان الاكبر لحكومة الشاهد ومحددا لمستقبلها، فمدى نجاعة ادارة التناقضات بين اكراهات الموازنة وعجزها من جانب ومدى حضور الجانب الاجتماعي والتنموي من جانب آخر لاقناع الاتحاد بدعمها، سيكون مصير الشاهد معلقا بيد حلفائه قبل خصومه، وما تقدم الشاهد بخطوة صوب الاتحاد الا اقرار بذلك ورسالة جديدة للخصوم، واساسا النهضة والنداء.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499