في ظل غياب النواب والخلافات بين الكتل البرلمانية: يتواصل تأجيل مشاريع القوانين على مستوى الجلسات العامة

يبدو أن مجلس نواب الشعب قد بات اليوم عاجزا عن القيام بدوره التشريعي نتيجة تشتت نوابه وتفكك أغلب كتله على

حد تعبير عديد النواب. فقد تعددت عمليات تأجيل النظر في مشاريع القوانين في كافة الجلسات العامة نتيجة غياب النصاب القانوني، فلم تتمكن الجلسة العامة يوم أمس من التصويت على أي مشروع قانون والاقتصار على النقاش العام أو المصادقة على بعض فصول دون غيرها.

استأنفت الجلسة العامة أشغالها يوم أمس من خلال استكمال النقاش العام بخصوص مشروع القانون المتعلق بالموافقة على اتفاق القرض المبرم بتاريخ 21 ديسمبر 2017 بين الجمهورية التونسية والبنك الإفريقي للتنمية للمساهمة في تمويل مشروع دعم تركيز المخطط الوطني الاستراتيجي «تونس الرقمية 2020»، بقيمة 71.560.000 أورو. ويهدف مشروع القانون إلى ضمان الاندماج الاجتماعي والحد من الفجوة الرقمية عبر نفاذ أفضل للمعلومة والمعرفة وتعميم الاستفادة من الانترنات ذات السعة العالية جدا، ونشر الثقافة الرقمية عبر تعميم استعمالات تكنولوجيات المعلومات والاتصال في المسارات التعليمية ورقمنة المحتويات البيداغوجية. كما سيساعد مشروع القانون في التوجه نحو ادارة الكترونية ناجعة تقدم خدمة نوعية رقمية لفائدة المواطن والمساهمة في خلق مواطن الشغل في المجال الرقمي وفي مجال نقل الخدمات خارج البلد المنشأ.

صعوبة في التطبيق
وتطرق النقاش العام بين نواب الشعب الذي انقطع يوم أمس بعد رفع الجلسة، إلى صعوبة تطبيق مثل هذه القوانين على أرض الواقع في ظل غياب الأرضية الملائمة، إلى جانب غياب التغطية في عدد من المناطق الداخلية. وقالت النائبة عن كتلة حركة النهضة ليلى الوسلاتي بوصلاح أن الوزارات تعمل دون تنسيق في ما بينها ولا تتواصل حول مختلف الأعمال، مشيرة إلى العلاقة بين الحوكمة الرشيدة وأهمية الإدارة الرقمية في التقليص من التدخّل البشريّ. وتساءل نواب الشعب عن مدى تقدّم وزارة تكنولوجيات الإتصال في تغطية كافة الجهات بالشبكة، وقال النائب عن كتلة حركة نداء تونس عماد أولاد جبريل أن العديد من المناطق في الجمهورية التونسية لا تتمتع بتغطية شبكة الهاتف الجوّال، معتبرا أنه كان من الاجدر إصلاح المركز الوطني للإعلامية بدلا من إحداث مؤسسة موازية له قد تفرغه من محتواه، خصوصا في ظل وجود سياسة ممنهجة من وزارة تكنولوجيا الإتصال لتطويع المركز الوطني للإعلامية على حد تعبيره.

وفي رده على تساؤلات النواب، قال وزير تكنولوجيا الإتصال والإقتصاد الرقمي أنور معروف أن المركز الوطني للإعلامية يضم قاعدة بيانات بـ 14 مليون مواطن مسجّل بمن فيهم المتوفّون في علاقة بمشروع المعرف الوطني الوحيد، معتبرا أن مشروع النظام المعلوماتي للدولة يعتبر مشروعا ضروريا. كما اضاف أن البطاقة الذكية من شأنها أن تيسّر التعامل مع الصندوق الوطني للتأمين على المرض، إلى جانب أن رقمنة المعاملات من شأنها أن تكافح الفساد، مشيرا إلى أن المنظومة الرقمية المخصصة للتربية ستسمح بتسهيل الخدمات الموجّهة للتلميذ والطالب على غرار إستخراج وإيداع الشهائد العلمية. وتعهد الوزير بأن كافة الموارد التي ستنجرّ عن هذا القرض ستصرف في برنامج تونس الرقمية 2020، قائلا أن « برنامج تونس الرقمية لا يتقدّم بشكل واضح جرّاء غياب هيكل مؤسساتيّ يشرف على هذا البرنامج، من وظائفه التنسيق وإعداد الصفقات وكراسات الشروط».

تواصل عمليات التأجيل
لكن في المقابل، تواصل مسلسل تأجيل المصادقة على مشاريع القوانين الواحد تلو الآخر، إذ تم رفع الجلسة العامة قبل المرور إلى التصويت بطلب من كتلة حركة النهضة من أجل التشاور، وذلك على خلفية نتائج التصويت على المرور من النقاش العام إلى التصويت على الفصول، بـ 90 مع، 5 محتفظ، 39 لا. وعلى إثر ذلك تم تأجيل النظر في مشروع القانون المتعلق بالقرض نتيجة تخوف كتلة حركة النهضة من عدم حصول مشروع القانون على الأغلبية المطلوبة الذي يبقى بحاجة إلى 109 أصوات للمصادقة، خصوصا وأنه في الجلسة المنعقدة الأسبوع الفارط، تم إسقاط مشروع قانون يتعلق بقرض أيضا نتيجة غياب النواب والتوافق بين الكتل البرلمانية في علاقة ببقاء الحكومة من عدمها. ونال مقترح ارجاء التصويت 90 صوتا في حين اعترض عليه 39 نائبا واحتفظ 5 نواب، باصواتهم علما وان الجلسة حضرها 139 نائبا حسب ما صرحت به النائبة الثانية لرئيس المجلس الجلسة فوزية بن فضة.

تذبذب على مستوى أعمال الجلسة
الأزمة التي يمر بها مجلس نواب الشعب منذ مدة أسفرت عن سقوط مشروع قانون، وتأجيل كافة مشاريع القوانين المعروضة على أنظار الجلسة منذ تعليق العمل بوثيقة قرطاج والمطالب المتعددة من قبل بعض الكتل البرلمانية بتغيير حكومة الوحدة الوطنية. وقد عرفت الجلسة العامة تذبذبا بعد قرار التأجيل سواء بمواصلة النظر في ما تبقى من مشاريع القوانين المبرمجة في جدول الأعمال وهي مشاريع تم تأجيلها سابقا كالفصول المعدلة من مشروع قانون الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية، ومشروع قانون التصريح بالمكاسب والمصالح وبمكافحة الإثراء غير المشروع وتضارب المصالح بالقطاع العام من عدمه، حيث انعقدت اجتماعات كتل خصوصا كل من كتلة حركة نداء تونس وحركة النهضة من أجل النظر في هذه الأزمة واتخاذ القرار المناسب، في حين طلب البعض من النواب من بقية الكتل البرلمانية رفع الجلسة باعتبار أنه من غير المعقول الانتظار طويلا دون الوصول إلى اي نتيجة تذكر، حتى أن نواب المعارضة طالبوا بقراءة الفاتحة على الجلسة العامة والمجلس.

ومع عودة كافة نواب الشعب إلى الجلسة العامة، اعتبر نواب كتلة حركة نداء تونس أنه تم تسجيل غياب نواب كتلة حركة النهضة فور العودة إلى قاعة الجلسات بعد اجتماع الكتل، مما تسبب في تعطيل الجلسة العامة، مطالبين رئيس المجلس بتحمل مسؤولياته والاتصال بالنواب من أجل الحضور. الغريب في الأمر أن نزيف الغيابات بات ظاهرة تجتاح الجلسات العامة وأعمال اللجان القارة والخاصة، بالرغم من مواصلة المجلس في سياسة الاقتطاع من منحة النواب على كل غياب غير مبرر. هذا وقد طالب النائب الأول لرئيس المجلس عبد الفتاح مرور بعودة النواب إلى الجلسة العامة، إلا ان النائب عن كتلة حركة النهضة عامر العريض اعتبر أن نواب كتلته لا يزالون في اجتماع كتلة.

تصويت وتخوفات
وبعد انتظار، استأنفت الجلسة أعمالها من خلال مناقشة الفصول المعدلة من مشروع قانون الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية، على إثر توصل لجنة التوافقات إلى حسم الخلافات. وتحت التخوفات، فقد تمت المراهنة على مشروع القانون وسط احتجاج نواب المعارضة، وذلك من خلال التصويت على الفصل 11 بـ 109 أصوات الذي ينص على أنه في حالة الشغور الطارئ على تركيبة مجلس الهيئة لاعفاء أو وفاة أو استقالة أو عجز يعاين مجلس الهيئة حالة الشغور ويدونها ثم يحيله على مجلس نواب الشعب الذي يتولى سد الشغور، بالاضافة إلى أنه يمكن إعفاء عضو بالمجلس بقرار من ثلثي أعضاء البرلمان بناء على طلب معلل من ثلث أعضاء مجلس الهيئة. كما تمت المصادقة على الفصل 20 بـ120 صوتا، والمتعلق بالتقرير المالي السنوي للهيئة ثم عرضه على المجلس في آجال مضبوطة. في المقابل، سقط الفصل 33 وهو فصل خلافي يتعلق بحالات الاخلال بالواجبات المحمولة على الهيئة، ليتم على إثر ذلك الانطلاق مباشرة في مناقشة مشروع القانون المتعلق بالتصريح على المكاسب وإبقاء مشروع القانون السابق مفتوحا على التوافقات من جديد، لكن مجددا يتم رفع الجلسة على أن تستأنف صباح اليوم.

الأزمة التي يعيشها المجلس على مستوى هياكله، قد تكون الأزمة الثانية بعد انقسامات كتلة حركة نداء تونس مع بداية السنة التشريعية حين تعطلت دواليب المجلس. لكن في المقابل، فإن المؤسسة التشريعية تجد نفسها عاجزة عن اتخاذ القرارات المناسبة خصوصا وأن ظاهرة تأجيل القوانين وغياب النواب تواصلت في كافة الجلسات الأخيرة منذ عطلة عيد الفطر.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499