رئيس الحكومة يوسف الشاهد أمام مجلس نواب الشعب: لقد حان وقت الإصلاحات الكبرى..

شكل خطاب رئيس الحكومة يوسف الشاهد في مجلس نواب الشعب يوم أمس تحديا واضحا

له أمام الانتقادات الواسعة من خلال تجديد تمسكه بالإصلاحات التي تم الإعلان عنها سابقا. وتشبث الشاهد بدوره في هذه الإصلاحات مهما كان الثمن السياسي الذي سيدفعه على حد تعبيره، ليضيف أنه لن يكون شاهد زور للمحافظة على موقعه. خطاب الشاهد وإن حمل الجديد في طياته على المستوى الاقتصادي والاجتماعي، إلا أنه بدا من الواضح أنه حاول استباق النقاش العام لنواب الشعب الذي سيكون ناقدا له.

حمل خطاب رئيس الحكومة يوسف الشاهد يوم أمس الذي ألقاه في الجلسة العامة المنعقدة بمجلس نواب الشعب والتي خصصت للحوار مع الحكومة حول الوضع العام في البلاد، جملة من الرسائل السياسية في علاقة بالوضع الاقتصادي والاجتماعي، وحول الاستحقاق الانتخابي البلدي. عديد الإصلاحات المعلنة وإن لم تكن بالحديثة، إلا أن الشاهد تطرق إلى رهانات نجاحها وتطبيقها على أرض الواقع في علاقة بالشركاء الاجتماعيين والمهنيين والدعم السياسي للحكومة.

رئيس الحكومة يوسف الشاهد انطلق مباشرة في صلب الموضوع دون تمهيد، حول الموضوع الذي يشغل الرأي العام، المتمثل في الانتخابات البلدية وذلك بعد انطلاق مجلس نواب الشعب أول أمس في مناقشة مشروع مجلة الجماعات المحلية، حيث اعتبر أن الوقت قد حان لتنزيل الباب السابع من الدستور بعدما هيّأت الحكومة كافة الظروف الملائمة. وحاول الشاهد تفنيد كافة الأقاويل الني تشير إلى إمكانية أو احتمال عدم انجاز الانتخابات، حيث قال أن هناك عديد الأطراف اليوم تراهن على عدم انجاز الانتخابات البلدية وعلى فشل الانتقال الديمقراطي والرجوع بتونس إلى الاستبداد، مشددا في ذلك على أن الانتخابات البلدية ستكون حرة وشفافة وتعبر عن إرادة الشعب التونسي.

بعض النجاحات ولكن...
الشاهد بدا واثقا في طريقة إلقاء خطابه من المضامين التي سيقدمها على عكس الخطابات السابقة التي ألقاها في مجلس نواب الشعب، فقد حمل الخطاب إجراءات أكثر، مع سعيه دوما في كل جزء من الخطاب إلى توجيه جملة من الرسائل ومحاولة طمأنة الرأي العام. وأكد في هذا الإطار، على أن الحكومة لا تقلقها الانتقادات، باعتبار أنه من حق التونسيين الاطلاع على تقدّم الحكومة والتقييم وفق معطيات صحيحة، مع الأخذ بعين الاعتبار أن الحكومة الحالية جاءت في ظروف اقتصادية وأمنية صعبة. هذه الكلمات مهدت للشاهد التطرق إلى بعض النجاحات التي حققتها حكومته منذ حصولها على منح الثقة من قبل البرلمان، حيث أوضح أن انطلاق أعمال حكومة الوحدة الوطنية لم يكن سهلا، بعدما كانت أولى الأولويات تنحصر في محاربة الإرهاب ثم العمل على دفع الاقتصاد مما استوجب اتخاذ جملة من الإجراءات في علاقة بالاستثمار والتخفيف من التعقيدات الإدارية على غرار الاستثمار والصناعات التقليدية والصناعات المعملية والفلاحة والسياحة.

وأكّد الشاهد أنّ نسبة النمو ارتفعت مقارنة بالسنوات الأخيرة، وأنّ نسبة البطالة لدى حاملي الشهــــائد العليـا انخفضــت بـ1.7 %، مع تسجيل ارتفاع في نسبة التصدير بـ 40 %، ونسبة التغطية بـ10 نقاط. ومن المنتظر أن يبلغ عدد السياح الوافدين على تونس في الموسم الحالي 8 ملايين سائح بعدما بلغت نسبة الحجوزات 100 %. هذه الأرقام التي قد تكون لها انعكاسات ايجابية في أواخر السنة الحالية، لم تمنع الشاهد من مصارحة النواب ببعض المؤشرات السلبية، من خلال إقراره بوجود مشاكل في التضخّم ومدخرات العملة. وعلى إثر ذلك أعاد الشاهد نفس الإصلاحات التي قدمها سابقا من أجل إصلاح المالية العمومية والصناديق الاجتماعية، التي تستوجب ضرورة على حد تعبيره إصلاحات وحلولا هيكلية في الصناديق الاجتماعية في منظومة الدعم والمؤسسات العمومية.

«لا يمكن للدولة أن تقوم بكل شيء»
لكن قبل تطرقه للإصلاحات، حاول الشاهد استباق ما ستقوله المعارضة بأن له رؤية ليبرالية متوحشة، تلغي دور الدولة وتقلص من تدخلها ومن دورها الاجتماعي، حيث اعتبر في نفس الوقت أنه ليس مع رؤية انجاز الدولة كل شيء باعتبار أن هذا النموذج قد فشل. وبين أن الإصلاحات العميقة للمؤسسات العمومية لا تعني ضرورة التفويت فيها أيضا وذلك في إشارة منه إلى بعض التصريحات من قبل المعارضة بوجود نية في التفويت في بعض المؤسسات، باستثناء أن التفويت قد يكون للبعض من المؤسسات في قطاعات تنافسية غير إستراتيجية على حد تعبيره.
وبيّن الشاهد أن هناك فرقا بين المؤسسات العمومية في القطاعات التنافسية، التي يختلف وضعها على المؤسسات العمومية الأخرى، حيث بلغت الخسائر المتراكمة للمؤسسات العمومية سنة 2016 في حدود 6500 م.د. وهذا الأمر يستوجب رؤية كاملة لإعادة هيكلة المؤسسات، تضمن في الآن نفسه حقوق العمال والموظفين كاملة، رؤية قائمة على مبدأ الحفاظ على السلم الاجتماعي وعلى مواطن الشغل وعلى مكاسب الأجراء المادية والاجتماعية.

لكن في المقابل، فإن هذه الإصلاحات تبقى رهينة التوافقات بين مختلف الشركاء والأطراف الاجتماعية والمهنية، حيث أوضح الشاهد أن طريق الإصلاح يكون عبر التوافق مع كافة الأطراف المعنية حول مقترحات الإصلاح التي تقدمها الحكومة سواء كانت أحزابا أو منظمات وطنية أو مجتمع مدني، مجددا سعيه لنجاح العلاقة بين الحكومة والشركاء الاجتماعيين على رأسهم الاتحاد العام التونسي للشغل.

مهلة لأسبوع من أجل تقديم المقترحات
الحديث عن الشركاء الاجتماعيين، يعيد طرح مسألة إصلاح الصناديق الاجتماعية، وإصلاح منظومة الوظيفة العمومية والمؤسسات العمومية. واعتبر رئيس الحكومة أن المشكل الأساسي لا يكمن في الإصلاحات، باعتبار أن الحكومة قدمت العديد من الحلول إلا أنه دائما ما تحضر القطاعيّة والحسابات السياسيّة. فوضعية الصناديق الاجتماعية تتطلب إصلاحات عاجلة من أجل الحفاظ على المنظومة الاجتماعية التي تقوم على مبدأ التضامن. وأضاف الشاهد أنه لا يمكن الاستمرار في ضخ 100 م.د كلّ شهر صلب الصناديق الاجتماعية، إلى جانب أن ديون المؤسسات العمومية تجاهها قد بلغت حوالي 600 م.د، وهو ما سيجعل الحكومة تطالب من الشركاء تقديم موقفهم النهائي في غضون الأسبوع القادم قبل تمرير مشاريع القوانين المتعلقة بإصلاح الصناديق الاجتماعية، بالرغم من الإصلاحات الظرفية التي تم تضمينها في قانون المالية 2018 من خلال إقرار المساهمة الاجتماعية التضامنية بـ1 %.

معضلة التعليم وإشكاليات النقابات
من جهة أخرى، فإن خطاب رئيس الحكومة تميز هذه المرة بتخصيص جزء كبير من الوقت لموضوع التعليم في علاقة بالمستجدات الحاصلة بين النقابات ووزارة التربية. وانطلق الشاهد بتشخيص الوضع عموما، عن طريق الحديث عن ظاهرة الانقطاع عن التعليم الذي اعتبره أكبر خطر على تونس لأنهم يتوجّهون مباشرة للجريمة المنظّمة، حيث يوجد 100 ألف منقطع عن الدراسة سنويا، أي ما يعادل 300 منقطع يوميا.

كما أكد أن الحكومة خصصت 500 م.د لدعم البنية التحتية للتعليم وصيانة المطاعم المدرسية وتوفير الأجهزة اللازمة، إلى جانب وضع خطّة خاصّة للمنقطعين عن الدراسة في إطار ما يعرف بـ «مدرسة الفرصة الثانية»، ثم وضع نظام تصرّف جديد للمدارس الابتدائية يضمن استقلاليتها المالية. كما أضاف الشاهد أنه سيتم تخصيص نصف المقاعد في الجامعات الكبرى للناجحين في الباكالوريا من أبناء الجهات، خصوصا وأن رؤية الحكومة تقوم على تحرير الطاقات الشابة في الجهات ولذلك تم تقديم مشروع قانون المؤسسات الناشئة. كما أعلن رئيس الحكومة مراجعة خارطة المدارس الابتدائية، ووضع تصور لمنظومة خاصّة للتكوين الأساسي للمدرسين في الابتدائي والأساسي والثانوي، من خلال إجازات تطبيقية واختصاصات علوم التربية لتكوين المعلمين والأساتذة.

هذه الإجراءات التي أعلن عنها الشاهد، بدت موجهة بالأساس إلى النقابات، حيث قال أنه من غير المقبول أن يتم أخذ التلاميذ كرهائن في إطار التفاوض بالرغم من اعترافه بدور رجال التعليم في تكوين الأجيال القادمة، الأمر الذي حتم اتخاذ التدابير اللازمة في هذا الشأن. هذا وقد أوضح أنه لا يمكن لأحد منازعة المربين في المطالبة بحقوقهم المادية، وذلك في إطار سعي الحكومة إلى التفاعل مع هذه المطالب بايجابية، حسب الإمكانيات المالية للدولة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499