ماذا بعد بن قردان؟

تجاوزت بلادنا بسلام وبنجاح الهجوم الإرهابي الذي استهدف مدينة بن قردان ومن ورائها تونس كاملة.. وإن لم يحن بعد استخلاص كل العبر من هذه الملحمة وكذلك مما تخفيه من مخاطر على البلد إلا أن الخطأ كل الخطأ أن تعود حليمة (تونس) إلى عادتها القديمة وألا تغيّر أحداث بن قردان

ما حفّ بها في تصرفات قادتنا ونخبنا وسائر مواطنينا..
يكفي في البداية أن نعلم ضخامة المشروع الإرهابي الذي أعدّ لبن قردان حتى لا نفقد يقظتنا، ولو للحظة واحدة، في نشوة هذا الانتصار الساحق.. فالخطر مازال محدّقا بنا ومنسوبه لم ينخفض بعد..
فيكفي أن نعلم أنه تم القبض على خلية متكونة من ثمانية طلبة قد بايعوا التنظيم الإرهابي «داعش» مباشرة بعد عملية بن قردان لندرك حجم الدمار النفسي والروحي الذي يصيب اليوم جزءا من شبابنا.. فبينما نبكي نحن شهداءنا ونفرح لانتصار أبطالنا يرى بعض شبابنا عكس ما نراه فهم يبكون الإرهابيين ويفرحون لسفك دماء شهدائنا..

إنها مأساة كبرى أن يكون جزء من شبابنا على هذه الشاكلة حتى وإن كان عددا قليلا نسبيا، وهو يؤشر على نوع من الفشل الجماعي نتحمل جميعا مسؤوليته..
لا بد أن نقف جيدا عند هذه الجاذبية التي يمارسها هذا التنظيم الإرهابي على جزء من شبابنا لنرى كيف نقاومها وخاصة كيف نستبقها قبل حصول المحظور..

المسألة الثانية المهمة بعد ملحمة بن قردان هي كيف نحوّل هذه الحماية الجماعية إلى فعل إيجابي ضد الإرهاب؟ نقول هذا اتعاظا من التجارب الماضية حيث تحركنا جميعا للتنديد بالقتلة ثم بعد أيام قليلة عدنا جميعا إلى منازلنا دون فرحة وسرور سنين الطفولة..
عندما نعلم أن صندوق مكافحة الإرهاب لا يحتوي إلى حدّ صبيحة يوم الاثنين إلا على 25 ألف دينار ندرك مدى الصعوبة في تحويل العواطف إلى أفعال في بلادنا.. فالكل يعشق بلاده ويفديها بالنفس والنفيس، هذا على مستوى القول، أما عندما نريد ترجمة هذه الروح فإننا نجد صعوبات جمّة تعود إلى حساباتنا الفردية الضيّقة..

التضامن الوطني يصبح لا معنى له إن لم نجمع في هذا الصندوق في أسابيع قليلة عشرات ملايين الدينارات..

يوجد في تونس حاليا حوالي 3.400.000 من السكان النشطين من غير العاطلين عن العمل.. فلو تبرع كل واحد منهم بيوم عمل لكان في هذا الصندوق أكثر من خمسين مليون دينار على الأقل.. وأرقام كهذه تدل لوحدها على أن تضامننا الوطني معنى ملموس وانه ليس مجرد شعارات تتقاذفها الرياح حيث ماحت..

وملحمة بن قردان تفرض علينا أيضا أن نسوّي ملف التهرب الضريبي بصفة نهائية.. فهل من المعقول لبلد يجابه آفة بهذه الخطورة ويعرض حياة خيرة أبنائه لرصاص العدو ان نجد فيه من هو مسكون برياضة التهرب الضريبي أو من يستهلك كل الخدمات العمومية ولا يدفع مليما واحدا من مداخيل التجارة الموازية بأصنافها العديدة والمتنوعة. نحن بحاجة لوعي جماعي نضع فيه نقطة نهاية لهذا السلوك غير المواطني المتفشي في كل طبقات المجتمع.. فدفع الضرائب كاملة ليس منّة من أحد.. إنه واجب كل واحد منّا تجاه بلده أيّا كان رأيه في سياساته العمومية وفي الأغلبية التي تحكمه..

يحق لكل تونسية وتونسي أن يفخر بما نحن بصدد إنجازه جميعا.. فحربنا على الإرهاب تتعمق بمقدار تقدمنا في إنجاز مقتضيات الانتقال الديمقراطي.. وما مصادقة مجلس نواب الشعب أغلبية ومعارضة على قانون حق النفاذ إلى المعلومة إلا دليل إضافي بأن بلادنا سائرة في الطريق الصحيح... وأن لا أحد يقبل بمقايضة الأمن بالحرية بل نريد لنا ولأبنائنا وللأجيال القادمة الاثنين معا كما نريد النماء والرفاه والازدهار بكل شبر من أرضنا الجميلة... ذلك هو الحلم التونسي المشترك وذلك هو حق هذه الدماء الزكية علينا جميعا.. دماء شهداء الاستقلال وشهداء الاحتجاجات الاجتماعية والديمقراطية وشهداء الثورة وشهداء الحرية وحربنا على الإرهاب..

ولكن هذا الحلم لا بد له من إرادة قوية لإنفاذه.. إرادة عند النخب وإرادة عند عموم التونسيين... اليوم تطلب تونس منا جميعا أفرادا وجماعات حركة بسيطة: التبرع بيوم عمل أو أكثر لصندوق مكافحة الإرهاب.. أبطالنا يضحون بالنفس، فلنضح جميعا ببعض النفيس..

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 21 د

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499