ماذا وراء تنامي ظاهرة «سوء السلوك» السياسي ؟

قبل 2011 كانت ظاهرة سوء التخاطب والتواصل و«سوء السلوك» السياسي لا يبرز إلاّ عندما تقرّر السلطة أو أحد الأطراف الفاعلين فيها تصفية حسابات شخصية أو سياسية مع الخصوم،و عند صدور ردود فعل الأطراف المستهدفة و ذلك بواسطة أقلام من الدّاخل أو الخارج بالنسبة للأوّلين

وبواسطة أقلام و أصوات في الخارج بالنسبة للثانين. كما كانت تظهر في المناسبات الإنتخابية في بعض الأحزاب والمنظمات، حملات تشويه ظرفية .

ولكن بعد 2011 ، عمّت شيئا فشيئا أساليب تخاطب جديدة على شبكة التواصل الإجتماعي وعلى المنابرالإذاعية والتلفزية وفي الصحف وفي الخطب وحتى في البيانات الصحفية والسياسية. ويمكن للمتابع أن يلمس هذه الأساليب الجديدة ليس في التشويه والإفتراء والنميمة، وإنّما في مستوى التخاطب واللّغة والعبارات المستعملة في الثلب والشتم والسب وفي المس من اعتبار الأشخاص ومعنوياتهم وحياتهم الشخصية وحتى خصوصياتهم الذاتية.

وحتي نتجنب العموميات نقتصر على التعرض لما يأتيه السياسيون أو من يسميهم البعض محترفي السياسة والناشطين في منظمات المجتمع المدني، في أسلوب تخاطبهم و تعاملهم مع خصومهم ومعارضيهم ومنافسيهم، وفي التبريرات القائلة بأن ذلك هو ضريبة حرية التعبير والتغييرات التشريعية الّتي صاحبتها لضمان ممارسة هذه الحرية ، إلى درجة أن البعض يلجأ إلى المقارنة مع بعض ما يحصل هنا وهناك في بعض بلدان العالم ، معتبرين ذلك على عكس القاعدة ، حالات شاذة تُحفظ ُ ويُقاسُ عليها.

والخطير أن الأمر لا يتوقّف في مستوى التخاطب العادي بل تعداه إلى مستوى التخاطب التحريضي وتقييم السلوك وربطه بمرجعيات عقائدية وفكرية وسياسية، وأصبح البعض يستبيحون لأنفسهم تقييم المواقف والأفكار استنادا لقيم دينية، فيكفّرون ويصنفون الأشخاص استنادا إلى مرجعيات دينية في سعي إلى اعتماد مقاييس اقصاء اجتماعية، من أجل الكسب المجتمعي و تمرير مشروعهم المجتمعي.

هذه المنزلقات دخلت شيئا فشيئا في الشأن العام وفي نطاق الفعل وردّة الفعل، إلى أن أصبحت «رياضة جماعية» في كل المستويات تكاد تنخرط فيها كل الفئات ، في «رعاية» إعلامية تتسع باستمرار، دون كوابح ذاتية دون إحترام الضوابط الأخلاقية والقانونية .
وبدل أن نشهد ردّة فعل إيجابية من «النخبة» أصبح جانب هام من هذه الفئة الّتي تغيّرت هي نفسها بتأثرها بالرداءة العامّة، في طليعة المتسيّبين الّذي يبثّون «القيم الجديدة» فيخرجون عن تحفّظهم السياسي والأخلاقي، فيهتكون الأسرار الّتي أؤتمنوا عليها بمناسبة ممارستهم لوظائفهم و إضطلاعهم بمهامهم السياسية، فيكشفون حقّا أو بهتانا ما اقتسموه مع بعضهم البعض في فترة ما، وينشرون كل غسيل دون أي إعتبار للمعطيات الشخصية وثوابت القيم الأخلاقية الدنيا.

إن التقلبات في المناصب وفي المواقع أصبحت تغيّر السلوكيات تسعين درجة، خاصة بالنسبة للذين دخلوا غمار السياسة صدفة وأصبحوا «سياسيين عرضيين» إذ أن بعضهم إلتحق بالسياسة لسد نقص في قائمة من القائمات الإنتخابية، وقد تابع الرأي العام نماذج من التدخلات في المجلس التأسيسي وفي مجلس نواب الشعب وفي بعض المنابر الإعلامية ،التي تعطي فكرة على مستوى الخطاب.

فهل نُحمّل حرية التعبير مسؤولية ما أصبح متفشيا في التعامل السياسي العام في تونس ؟
وهل نقّر بتبرير ما يحصل بكون ذلك أمر طبيعي وعادي في ديمقراطية ناشئة ؟

إن لحريّة التعبير ضوابطها والقوانين الّتي تضمنها وضعت لتطبق بردع التجاوزات و التعدّي على حرية الغير مهما كانت المبرّرات، بالسرعة والصرامة الواجبة لإعلاء كلمة القانون. وهذا هو دور السلط العامّة، وعلى النخب السياسية أيضا أن ترتقي بمستوى التواصل فيما بينها ، و إعتبار الرأي و الرأي الآخر ، مساحة للتحاجج والمجادلة بغاية الإقناع و إثراء الفكر السياسي القابل للتكريس فعلا، كي تخرج البلاد من الوضغ التي هي فيه بأخف الأضرار.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499