بعد دعوة رئيس الجمهورية إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية: هل يستقيل الحبيب الصيد؟

لا شك أن الحوار الذي أدلى به رئيس الجمهورية يوم الخميس الفارط إلى القناة الوطنية الأولى يمثل رجّة سياسية من الحجم الثقيل.. بداياتها أضحت الآن معلومة ولكن مآلاتها مازالت مفتوحة على أكثر من احتمال وطريق...

الواضح اليوم أن الباجي قائد السبسي قد أعد منذ مدة لهذه الفكرة الجديدة التي باغت بها الجميع... والراجح عندنا أنها نضجت عنده بصفة تدريجية...
البداية كانت منذ حوالي الشهر عندما حصلت قناعة نهائية لدى صاحب قرطاج بأن الحبيب الصيد رغم خصاله الشخصية لم يعد رجل المرحلة وأن تعويضه على رأس الحكومة أصبح مسألة ملحة لا تتحمّل التأجيل...
ولكن الخشية كل الخشية هو أن يكون تغيير الحبيب الصيد مسألة شكلية لا تحدث الرجة المطلوبة عند عموم التونسيين وخاصة عند الفاعلين الاجتماعيين والسياسيين الأساسيين لذا كان التفكير في تغيير شكل الحكومة ذاته وكذلك خارطة طريقها في نفس الوقت حتى يكون تغيير الأشخاص تتويجا لتغيير المنهج والمسار...

ولكن وفي كل الحالات فإن دعوة الباجي قائد السبسي إلى حكومة وحدة وطنية تقحم ضرورة منظمتي الشغالين والأعراف إنما هي إقرار بفشل الحكومة الحالية كفلسفة وكتشكيلة وكقيادة.. وقول رئيس الجمهورية بأن حكومة الوحدة الوطنية يمكن أن يرأسها «هذا (إشارة إلى الحبيب الصيد) أو غيره» لا تعني بالمرة في لغة السياسة إمكانية الإبقاء على الحبيب الصيد بل فتح مجال لمغادرة مشرفة ليس إلا...

ولكن أول ردة فعل لرئيس الحكومة الحبيب الصيد صباح يوم أمس على أمواج إذاعة إكسبراس آف. آم جاءت على هامش هذه اللحظة السياسية إذ لم ير في هذه المبادرة سوى ممارسة رئيس الجمهورية لحق دستوري دون ربطها بالتقييم السلبي الضمني لعمل حكومته ثم تأكيده بأنه جندي على ذمة بلاده وأنه قد يغادر منصبه لو كان ذلك في مصلحة البلاد كما قد يمكث فيه أيضا لو تحقق المناط المطلوب يفيد بدوره بأن أول رد فعل لرئيس الحكومة كان تقنويا وشكليا ولم يكن سياسيا...
يبدو أن رئيس الحكومة لم يدرك بعد أن مبادرة رئيس الجمهورية جاءت لتنهي المرحلة السابقة ولتقول بأن هنالك مرحلة جديدة بصدد الانبجاس...
والقاعدة تقول بأن لكل مرحلة نساؤها ورجالها وأنه لا يمكن بناء الجديد بالقديم...

الراجح عندنا بان رئيس الحكومة لم يستوعب بعد تمام الاستيعاب العمق السياسي للمبادرة الرئاسية وإلا لما كان يؤجل التحاور بشأنها مع رئيس الدولة إلى اللقاء الأسبوعي التقليدي بين الرجلين كل صبيحة يوم الاثنين...
فالحديث يوم الخميس هام إلى أبعد الحدود ورئيس الحكومة لم يكن ضمن الفريق الذي «طبخ» هذه المبادرة بل هو يقرّ بأنه تعرّف عليها بصفة واضحة قبيل البث التلفزي بقليل.. ورغم هذا فإن عدم مطالبته لقاء صاحب قرطاج يوم أمس الجمعة يدعو إلى الاستغراب وعدم الفهم.. ثم عندما يقول رئيس الحكومة بأنه يتفاعل إيجابيا مع المبادرة الرئاسية لم يقل لنا كيف سيفعل ذلك؟

والمسؤولية هنا مشتركة بين رئيسيْ الدولة والحكومة لأن عدم التنسيق المسبق بينهما عكس صورة مضطربة وغريبة لرأي السلطة التنفيذية... رأس يقرر الدخول في مرحلة جديدة في فلسفتها وبرامجها ورجالاتها ورأس مازال متمسكا بالمرحلة السابقة وغير مقتنع – فيما يبدو – بضرورة الانتقال الفوري والسريع من زمن إلى آخر...

فمن الناحية السياسية التعامل الإيجابي الوحيد مع المبادرة الرئاسية هو تقديم استقالة رئيس الحكومة حتى يدرك الجميع بأننا فعلا بصدد ولوج مرحلة جديدة.. وتقديم استقالة رئيس الحكومة لا يعني بالطبع، نظريا على الأقل، بأنه لن يُدعى إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية...
عدم تقديم الاستقالة – على عكس ما قد يُعتقد – هو الذي سيربك أعمال هذه الحكومة وذلك ما رأيناه منذ يوم أمس إذ صرح الوزراء السياسيون بمواقفهم من مبادرة رئيس الجمهورية، وهذا طبيعي، ولو تواصل الأمر على هذه الحالة فسنكون في مفارقة كبرى: حكومة تواصل عملها وكأن شيئا لم يكن ووزراء يتصرفون وفق مبادرة رئيس الجمهورية أو هم يستبقونها سلبا أو إيجابا...

فاستقالة رئيس الحكومة لا تعني في هذه الصورة تخليا عن المسؤولية بل فقط توفير المناخ النفسي والمؤسساتي والسياسي لولوج البلاد المرحلة القادمة بغض النظر عمّن سيسيّر الحكومة الجديدة...
وهذه الاستقالة ستؤكد لكل الأطراف بأن مبادرة رئيس الجمهورية ليست مناورة سياسية بل مشروعا جديا للخروج من الأزمة الحالية..

هذه بداية الطريق وبداية تعثراته أيضا وكل هذا قبل أن تتوضح بصفة نهائية مواقف أهم الأطراف المعنية بهذه «الوحدة الوطنية»..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499