2019: حرب التموقعات السياسية

تفصلنا اليوم سنة واحدة عن المجال الدستوري للانتخابات التشريعية القادمة إذ يفترض دستور 2014

أن تجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال الستين يوما الأخيرة من العهدة الانتخابية أي أنها ستكون ضرورة ما بين الأحد غرة سبتمبر 2019 والأحد 20 أكتوبر 2019 . ورغم «حلم» بعضهم بإمكانية تأجيل الانتخابات العامة بالتعلل بـ«الخطر الداهم» فلا نتصور أن هنالك قوة واحدة داخل البلاد أو خارجها قادرة على هذا .. ومن يراهن على التأجيل اللادستوري كمن راهن (وأحيانا هم نفس الأشخاص ) على التأجيل اللامتناهي للانتخابات البلدية قبلها إنما يعمل على هزيمته فيها ليس إلاّ..
سنة واحدة ، إذن ، لتأكيد التوازنات السياسية الحالية أو لتعديلها أو لقلبها رأسا على عقب .

وحدها الأطراف الجدية التي بدأت في الاستعداد الميداني قادرة غدا على أن تكون وازنة في المشهد السياسي الجديد بينما تلك التي تفضل «تكمبينات» الغرف المظلمة قد تخسر كل شيء غدا ..

هنالك درس أساسي لابد من استيعابه من الانتخابات البلدية في ماي الماضي : الحزب الذي لا يملك آلة انتخابية متواجدة في كامل أنحاء البلاد وذات قدرة تعبوية هامة ليس قادرا على كسب امتحان الانتخابات ، وفي تونس توجد إلى حدود اليوم آلتان انتخابيتان فقط الأولى للنهضة والثانية للنداء . والبقية إما آلات في طور البناء والنماء ولو النسبي (التيار الديمقراطي والجبهة الشعبية وبدرجة اقل حركة الشعب والحزب الدستوري الحر ) أو مشاريع آلات مازالت لم تثبت قدرتها التنافسية كمشروع تونس وآفاق تونس وحراك تونس الإرادة ثم لا شيء، أو يكاد ..
ماذا يمكن أن يتغير خلال هذه السنة الفاصلة المفصلية ؟قبل الحديث عن المتغيرات يمكننا أن نقول بأننا إزاء بعض المعطيات شبه الثابتة :

• بقاء حركة النهضة في مستويات تشريعية 2014 وبلديات 2018 أي ما بين الربع (%25) والثلث (%33.3) من الأصوات المصرح بها وينبغي حصول مفاجأة ضخمة لكي تكون نتائج النهضة خارج هذا المجال ولكن ما هو غير معلوم اليوم هو ترتيب حركة النهضة : هل ستكون الحزب الثاني كما كان الحال في 2014 أم الحزب الأول كما دلت عليه انتخابات 2018 وفي هذه الصورة الثانية هل سيكون تقدمها نسبيا (أي اقل من 5 نقاط فارق) أم ساحقا (أكثر من 10 نقاط فارق) ولكل احتمال تبعات سياسية جوهرية في المشهد العام ما بعد تشريعية 2019..

• المعطى الثاني هو ما بين الثابت والمتحول ويتمثل في الاحتمال القوي لتجاوز بعض الأحزاب مرحلة الأحزاب الصغيرة (دون %5 من الأصوات) إلى مرحلة الأحزاب الوسطى الوازنة ( أكثر من %10) ويبدو أن هنالك حزبين مؤهلين ، نظريا ، لتجاوز هذه العتبة وهما التيار الديمقراطي والجبهة الشعبية .
يعتقد البعض أن تبني التيار الديمقراطي لفكرة المساواة في الميراث بين المرأة والرجل سيجعله يفقد جزءا هاما من قاعدته الانتخابية المتسمة بالمحافظة الدينية والمتأتية خاصة من الذين هجروا الحركة الإسلامية ، انتخابيا ، نظرا لتواطئها مع «المنظومة القديمة» والسؤال هو هل سيربح حزب محمد عبو على يساره ما قد يفقده على يمينه ؟ وهل سيتمكن من جلب

فئات كانت ترى فيه شكلا مهذبا من شعبوية حزب المؤتمر لترى فيه مستقبلا حزبا تقدميا ديدنه إقرار الدولة القوية العادلة المحاربة للفساد ؟ والسؤال الأكبر هو هل سيعمد التيار الديمقراطي إلى إستراتيجية تغيير نسبي لصورته أم سيعتمد فقط على يافطة محاربة الفساد وشعبية الثنائي محمد وسامية عبو ؟
يمكننا القول بأن 2019 ستمثل الامتحان الحقيقي لهذا الحزب الناشئ فإما أن يثبت قدرته على تعبئة الناخبين وانه حزب جدي ووازن أو يتراجع بقوة معلنا بذلك بأنه أحد الكائنات الظرفية لهذه الفترة الانتقالية ..

الحزب الثاني القادر ، نظريا كذلك ، على تجاوز هذه العتبة هو بلا شك الجبهة الشعبية الذي نجح في الحفاظ على وحدته رغم تعدد وتنوع مكوناته كما اثبت امتلاكه لبداية آلة انتخابية لها ولا شك عديد مواطن الضعف ولكن بعض مواطن القوة كذلك رأيناها بكل وضوح في بلديات 2018.. ولكن ما بين %3.7 التي حصلت عليها الجبهة في 2014 و%10 مسافة شاسعة تستوجب استقطاب فئات جديدة وكذلك خطابا سياسيا أكثر إقناعا فالتونسيون يعرفون ، تقريبا ، ما ترفضه الجبهة اليوم وما تريده للمستقبل المتوسط والبعيد ولكن غير واضح لدى جل التونسيين ماذا يمكن للجبهة أن تفعل غدا لو شاركت في الحكم وما هي الأفكار التي ستقدمها في 2019 وتكون لها القدرة التنفيذية الفعلية ..إن التحول من حزب معارض بصفة راديكالية إلى حزب قادر على الحكم ليس بالأمر الهيّن لا في تونس ولا في غيرها فقد يعجب المواطن بالأفكار ولكن الناخب عادة ما يخشى المغامرة غير محسوبة العواقب، فهل ستتمكن الجبهة خلال هذه السنة من إقناع جزء هام من الناخبين بان التصويت لها ليس مغامرة بل هو مدخل جدي للاصلاح ؟ هذا هو التحدي الأكبر لحمة الهمامي ورفاقه .

• المتغير الأكبر في تشريعية 2019 يتعلق بالحزب الفائز في 2014.. هنالك سؤال أساسي في البداية :
من سيمثل نداء تونس في 2019 ؟ أو بالأحرى هل سيكون للنداء ممثل واحد أم ممثلان أم أكثر من ذلك ؟

غير خاف على أحد أن الصراع القائم منذ أكثر من سنة في حزب النداء إنما مداره من سيكون قادرا على قيادته في 2019؟ حافظ قائد السبسي والمحيطون به والمتحالفون معه أم يوسف الشاهد ؟ من الخليفة بعد الخليفة: الابن البيولوجي أم الابن الروحي حتى وإن تمرّد ؟ !
ثم هل ستحسم هذه المعركة داخل النداء بانتصار طرف وهزيمة آخر بصفة نهائية أم ستحسم أمام الناخبين بانقسام الحزب إلى حزبين يقود الأول نجل رئيس الدولة ويقود الثاني رئيس الحكومة الحالي ؟
جل المعطيات تفيد بأننا نتجه إلى الحل الثاني وحينها لا نعلم هل سينتصر طرف بصفة جلية على طرف ويستحوذ بذلك على جل ما تبقى من القاعدة الانتخابية للنداء أم أن صراع الطرفين سيؤدي إلى إضعافهما المتبادل والى عزوف جل الندائيين ، سوسيولوجيا ، عنهما ؟
الصراع بين هذين الطرفين سيكون صراع حياة أو موت وستستعمل فيه كل الوسائل من شريفها إلى خسيسها ويمكن أن نقول بأن غموض مآل هذا الصراع اليوم هو المتغير الاكبر في الانتخابات التشريعية لـ 2019.

• معطى آخر هام للغاية وهو غير معلوم اليوم : هل ستتمكن قائمات مستقلة في مختلف دوائر البلاد من الفوز بعدد هام من المقاعد كما كان الشأن في بلديات 2018 ؟ لم يتمكن المستقلون من ولوج قبة باردو في 2011 و2014 إلا بأعداد قليلة للغاية فهل سيتغير الأمر في 2019 ؟ وهل سيدفع القرف من السياسيين بجزء هام من الناخبين للتصويت على قائمات مستقلة ؟
لاشيء يمنع ، نظريا ، أن يكون لدينا في برلمان 2019 عشرات النواب المستقلين وهذا ما سيقلب اللعبة السياسية رأسا على عقب وما سيعطي بعدا غير مسبوق لائتلافات الحكم والمعارضة في بلادنا .

رددنا في مرات سابقة أن الانتخابات العامة (التشريعية والرئاسية ) لن تربح في بلديات 2018 ولكن يمكن ان تخسر في هذه المحطة التي مررنا بها .. ويبدو أن الأمر كان كذلك إذ اضطربت أوراق العديد من الحالمين بقصر قرطاج لأنهم نسوا أو تناسوا ان محطة التشريعية هي السابقة أولا وهي الاساس ثانيا وان من لا يملك جهازا حزبيا قادرا على ربح الانتخابات التشريعية أو على الاقل الحصول على نتيجة هامة فيها لا يمكنه بالمرة ان يقدم نفسه بعد شهر للفوز بالرئاسية.
فالسياسة ، حتى في أسوإ صورها ، ليست مغامرة فردية أو مشروعا شخصيا وإن كانت كذلك فقدرتها على الصمود تكون معدومة .

يخطئ من يعتقد بأن الأزمة السياسية الخانقة اليوم هي التي ستحدد مصير البلاد .. البلاد لن يتحدد مصيرها إلا مع الانتخابات العامة لـ2019 وفق المشهد السياسي الجديد الذي سيفرزه الصندوق ، وكما يقول القدامى : الحيلة في ترك الحيل والشاطر من يربح فوق الميدان بشرف لا ذاك الساعي إلى الحكم دون شرعية الصندوق.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499