آخر خراطيش «التوريث الديمقراطي»: تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية لـ 2019 !!

في البداية كانت همسات يسر بها بعضهم لبعض في مجالس خاصة جدا ولاسيما بعد هزيمة الحزب الحاكم في بلديات 2018: لِمَ لا يتم تأجيل

الانتخابات العامة المقررة دستوريا في نهاية السنة القادمة؟ والسبب الأساسي هو تقديم بعض «الأدمغة المفكرة» داخل نداء تونس وعلى هامشه بان الحزب الذي أسسه الباجي قائد السبسي لا يمكنه تأكيد الوزن الانتخابي الذي حصل عليه في 2014 وأنه يحتاج إلى أكثر من سنة لحسن الاستعداد وللمنافسة بحظوظ أفضل.

بعد هذه الهمسات في البيوت المغلقة تسربت هذه الفكرة تدريجيا وأصبح يُفصح بها في وسائل الإعلام اما باعتبارها امكانية من الامكانيات أو مسألة قد نضطر إليها لو تواصلت الأزمة السياسية على ما هي عليه الآن.. أما «الاخراج» الدستوري فيكاد يكون جاهزا: الفصلان 56 و75 من الدستور اذ ينص الأول في ما يخص مجلس نواب الشعب «اذا تعذر اجراء الانتخابات بسبب خطر داهم فإن مدة المجلس تمدد بقانون» وينص الثاني «وإذا تعذر اجراء الانتخابات في موعدها بسبب خطر داهم، فإن المدة الرئاسية تمدد بقانون».

ونجد في الفصل 80 أن لرئيس الجمهورية «في حالة خطر داهم مهدد لكيان الوطن أو أمن البلاد أو استقلالها، يتعذر معه السير العادي لدواليب الدولة، أن يتخذ التدابير التي تحتمها تلك الحالة الاستثنائية (...)».

إذن الاطار الدستوري يسمح بهذه الفرضية وما على جهابذة طبخ القرارات إلا التسويق لفكرة الخطر الداهم بعيد أشهر من الآن الموجب لتمديد العهدتين التشريعية والرئاسية معا...

ولو تابعنا نسق انتاج هذه «المطابخ» السياسية لوجدنا أن أول فكرة تفتقت بها قريحتها منذ أواخر 2016 هي تعبيد الطريق لولاية رئاسية ثانية للباجي قائد السبسي باعتبارها الحلّ الوحيد المنقذ لـ (نداء) تونس أي للقيادة الحالية ولهذا الحزب وللوبيات العائلية والمالية المرتبطة بها.

لقد كان واضحا لهذه «الأدمغة المفكرة» أن مسار «التوريث الديمقراطي» ليس جاهزا بعد بشكل يسمح له باستلام السلطة عبر صناديق الاقتراع في 2019 حتى لو كان مؤيدا بكل قوة من حركة النهضة الحليف الضروري لانجاح هذه الخطة..

اذن تكون ولاية ثانية للباجي قائد السبسي محطة انتقالية ضرورية لانضاج مشروع «التوريث الديمقراطي»..

وكان النصف الأول من سنة 2017 مناسبة للترويج لهذه الفكرة لدى مختلف الأوساط الفاعلة محليا ودوليا ولكن ظهرت بسرعة عوائق موضوعية متظافرة أضعفت كثيرا من حظوظ هذه «الطبخة» بداية لأن رئيس الجمهورية لم يجد حماسة خاصة حيالها وثانيا لأن أصدقاء تونس أبدوا تخوفات كبرى من هذه الفكرة وما قد يصاحبها من ازدياد مخاطر اللاستقرار بالنظر الى السن المتقدم لرئيس الدولة.. وظل الأمر على ما هو عليه الى حين خطاب الباجي قائد السبسي في 20 مارس 2018 حيث قال باللفظ الواحد « أنا نعرف وقتاش نخرج» اشارة فهمت بأنها رفض نهائي لخوض غمار ترشح لولاية ثانية..

قبيل ذلك مثلت الهزيمة النكراء لمرشح النداء في التشريعية الجزئية بدائرة ألمانيا في ديسمبر 2017 رجة كبيرة لكل هذه «الأدمغة المفكرة» اذ أثبت أن التعويل على النهضة لانجاح «التوريث الديمقراطي» هو حساب خاطئ بالكلية لأن القاعدة النهضوية لن تصوت لأي مرشح ندائي مهما كان لا في تشريعية ولا في رئاسية، ودون أصوات النهضة تتبخر كل آمال «التوريث الديمقراطي»..

ثم جاءت الانتخابات البلدية لتثبت بدورها التراجع الكبير لنداء تونس اذ بعدما كان يمثل حوالي 37 ٪ في 2014 تدحرج الى 21 ٪ في 2018 والأرجح - لو بقي النداء على حاله - أن يتواصل التدحرج في 2019 وعندها ينهار وهم «التوريث الديمقراطي» بصفة نهائية..

ما العمل اذن؟ تأجيل الانتخابات بالاعتماد على حالة «الخطر الداهم» هذه هي العبرة الكبرى التي خلصت اليها «الأدمغة المفكرة» الملتفة حول نجل رئيس الجمهورية من هزيمتها الانتخابية في ماي 2018 وانطلقت منذ أسابيع في عمليات «تحسيسية» لمختلف شركائها لكي تصبح فكرة التأجيل هذه مستساغة بصفة متصاعدة وهذا ما حصل بالفعل.

احترام الدستور ومقتضياته وصون المسار الانتقال الديمقراطي المتعثر وحفظ صورة تونس ومكانتها اقليميا ودوليا كل هذا لا يعني كثيرا هذه «المطابخ»، فما يعنيها، اليوم وغدا، هو المحافظة، ما أمكن، على تحكمها في دواليب الدولة مع العمل على توفير كل شروط «الخروج الآمن» لو عجزت عن انقاذ مخططها هذا.

إنه من العار على بلادنا أن يذكرنا اليوم الأجانب بضرورة احترام المواعيد الانتخابية.

والانتخابات هي في جوهر البناء الديمقراطي، صحيح أنها لا يمكنها أن تضمن لوحدها نجاح الديمقراطية ولكن بالغائها أو تأجيلها أو التلاعب بها نكون قد وأدنا ديمقراطيتنا الناشئة في المهد.

رئيس الدولة هو الضامن لاحترام الدستور ولوحدة البلاد ومصالحها العليا. والدستور واضح وصريح: يجب أن تجرى الانتخابات التشريعية والرئاسية خلال الأيام الستين الأخيرة من العهدة الانتخابية أي في سبتمبر أو أكتوبر 2019 للتشريعية وفي أكتوبر أو نوفمبر 2019 للدور الأول للرئاسية.

لن تنطلق هذه السنة السياسية الحبلى بمخاطر عدة بحظوظ دنيا من النجاح دون أن يتم التأكيد، وفي أعلى مستوى، بأن البلاد، كل البلاد ملتزمة بتطبيق مقتضيات الدستور وأنه من مسؤولية أحزاب الحكم، كل أحزاب الحكم العمل على توفير الظروف الملائمة قانونيا ومؤسساتيا وهيكليا لاجراء هذه الانتخابات بدل اضاعة الوقت في التلاعب بمصير البلاد والعباد.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499