بعد تركيز المجالس البلدية الجديدة: امتحان استعادة ثقة المواطنين

بعد طي صفحة تركيز المجالس البلدية المنبثقة عن أول انتخابات بلدية في الجمهورية الثانية، يواجه المُنتخَبون الجدد رهان إقناع الناخبين بأدائهم لتوفير الخدمات وتنفيذ

البرامج الّتي وُعدوا بها . لذلك سينسى المحلّلون وقرّاء نتائج الانتخابات التداعيات السياسية على ما حققّته الأحزاب و مجموعات المستقلين ، لتدق ساعة الجدّ على ميدان المحليات اللّصيقة بأصغر شؤون المواطنين و أدقها.
رئيس بلدية الكرم بالضاحية الشمالية لمدينة تونس السيد فتحي العيوني كشف أبشع ما يمكن أن يحدث من تصرفات في قراءة للدستور والقانون،بإعلانه عن توجيه تعليماته لمنظوريه بمنع تحرير عقد القران بين تونسية مسلمة من غير المسلم و بألاّ يقع تسجيل أسماء غير عربية لمواليد جدد ببلدية الكرم ، بمقولة تمسّكه بالمحافظة على أحكام الدستور باعتباره ينص على الهوية العربية الإسلامية  . كما كشفت خدمات النظافة و بقية الخدمات الإدارية الملامح الأولى لانطلاقة العمل البلدي في ثوبه الجديد.

و لو أن تقييم العمل الإداري يخضع إلى متابعة ميدانية و تحقيقات مباشرة تتقصى عن مدى رضاء المواطنين على الأداء ، فإن خدمات النظافة تسهُل معاينتها بمجرد التنقل و التجوال في مختلف الأنهج و الشوارع و الأحياء والطرقات ،و هو أمر متاح للجميع لا يستحق البحث و إقامة الدليل.
إن شأن النظافة هذا ،غير مُرضي و لا يبشّر بالتغيير المنتظر، وهو شأن له دلالات هامة بالإضافة للانتصاب الفوضوي وتجميل مداخل المدن و تجميل واجهات المحلات و إبراز السمات الخاصّة بكل جهة للتعريف بخصوصياتها. فرغم حملات التحسيس الّتي سبقت عيد الأضحى والوعود بتوفير الإمكانيات برفع الفضلات في الإبان، فإن المعاينة الميدانية كشفت الفشل في تنفيذ حملة النظافة المبرمجة.

لا شك أن المواطن يتحمّل هو الآخر جانبا من المسؤولية عن نظافة محيطه ، و لكن تبقى المجالس البلدية هي المسؤولة عن تنظيم الشأن البلدي، وهي المطالبة بالبحث عن السبل الكفيلة بتحقيق العناية بالمحيط وتحسين ظروف العيش ، من ذلك البحث عن كيفية تشريك المواطن في القيام ببعض الشؤون و ذلك بدعم نقابات المالكين في المدن ، الّتي يجب تفعيل دورها بمنحها صلاحيات تتبع المخالفين للتراتيب والقوانين مع مرونة في الإجراءات لاستخلاص معاليم الصيانة والنظافة. كما يجب التفكير في سبل تشريك المواطنين في الأحياء و القرى بواسطة هياكل ناجعة وتفعيل دور العمادات الترابية لتقوم بدور في صيانة المحيط والبيئة الّتي طالتها آثار التمدّن في المظاهر السلبية.
إن تناولنا لموضوع الشأن المحلي و دور البلديات ،ليس بغاية تقييم الأشهر الأولى لتسلم المجالس البلدية لمهامها ، و إنّما الغاية هي التنبيه إلى خطر عدم نجاح المجالس البلدية الجديدة في تغيير نظرة المواطن للعمل البلدي الّذي يباشر عبر آليات انتخابية سليمة يشارك فيها المواطن لتحسين محيط عيشه القريب منه واللصيق به .

إن مرد عزوف الناخبين المتزايد عن المشاركة في الانتخابات العامّة يعود حسب تقديرنا ، إلى عدم الرضاء على أداء المنتخبين و الخيبات المتتالية في إنجاز الوعود ،و الفشل في تحقيق الرفاهة المنشودة و عدم الاستجابة لما يتطلع إليه المواطن من تقدّم في عيشه اليومي من عمل و توفير حاجيات و تدعيم للمكتسبات في التعليم والصحة و النقل وحماية الحقوق والحريات وحسن القضاء و توفير الأمن وتحسين الخدمات في كل المجالات.

إن المهم ليس في واجهة حسن تنظيم الانتخابات و في تحقيق كسبها، وإنمّا في إنجاز ما يكسب المواطن من ثقة في هذه الآليات الديمقراطية الّتي تحقق إمكانية المسك بآليات السلطة في كل مستوياتها. و آليات الديمقراطية تُحسمُ بالأرقام، أي بالعدد و ليس بتقييم الأفضل فعلا أو الأنجع سياسة، و هنا تكمن أهمية المشاركة الواسعة، و خطورة توسع الأغلبية الصامتة أو المتخلية، لذلك سبق أن اقترحنا التشريع بطريقة إلزامية في المشاركة في العملية الانتخابية .

لذلك يبقى العمل البلدي في شكل خلاق جديد، شأنا مهمّا يمكن أن يحفّز على توسيع المشاركة في الاستحقاقات الانتخابية القادمة ، و يكون على الأحزاب و النخب السياسية ، أن تساهم في تغيير سمات العمل البلدي و تسعى لإنجاحه حتى و إن سجلت فشلا في حيازة موقع فيه ، لأن الغاية في النهاية هي استعادة ثقة أوسع قاعدة انتخابية في الآليات الانتخابية ليجد الناخب صدى لصوته يعكس أوسع تعبير عن إرادة الشعب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499