أيّ داء وراء نقص الدواء و الأداء ؟

الإشكال ليس في تحديد النقص في الأدوية إن كان بكميات كبيرة أو ضئيلة ، و لا يهم توصيف ما حصل بالنقص أو الانقراض

لبعض الأدوية، إنّما الإشكال يكمن في إختزال «أزمة الأدوية» في الهوامش، وتغييب تناول المشكل الحقيقي الّذي تعيشه الصحة العمومية بمختلف تفرعاتها.
فبوادر أزمة الأدوية لم تظهر في الأسابيع الأخيرة بل منذ أكثر من خمسة أشهر، ولكن لم تتحرّك سواكن وزارة الصحّة العمومية والصيدلية المركزية و غيرها من الهياكل الإستشفائية والمهن المعنية بالأدوية وتوزيعها و العارفة بتبعات نقصها، ولم تتعال الأصوات إلاّ عندما «وقفت الزنقة للهارب» كما يقال . و يجدر التذكير أن وزير الصحة قلّل من شأن هذا النقص في 4 أفريل الماضي وأكّد ،بما معناه ،أن الموضوع تحت السيطرة وأن الاستجابة للحاجيات ستكون ممكنة لمدّة تفوق ثلاثة أشهر،و هذا يعني أن ما حصل ليس وضعا طارئا يصعب السيطرة عليه في الابّان، بل أن ما وصلت إليه البلاد ،كان في غياب المعالجة اللاّزمة، إمّا تهاونا، أو عن سوء تقدير، وإمّا بسبب عجز أو سوء تدبير.

لذلك لا بد من القول بأن توجيه الحديث عن النقص في الأدوية و عن كمياته - وكأن الأمر يتعلّق بنقص في سلعة أو بضاعة أو مادّة استهلاكية عادية - يغطّي الإشكال الحقيقي الّذي يعيشه القطاع الصحّي في بلادنا ، جانب أوّل منه، مرتبط بالسياسة الصحية الّتي تسبّبت في خلق أوضاع ما فتئت تتدهور، و جانب ثاني، مرتبط بالتسيير والتصرّف في المؤسّسات الصحية من مستشفيات و مجامع صحية ،جامعية كانت أو عادية ،وبمؤسسة الصيدلية المركزية و توزيع الأدوية ، وجانب ثالث، مرتبط بالصناديق المعنية بالعلاج والأدوية و بتحمل نفقات الاستشفاء والخدمات، وبالإطار الطبي وشبه الطبّي.
لذلك لا تكون المعالجة بتوفير الحلول الوقتية لما يظهر من إشكاليات هنا هناك، بل لا بد من معالجة شاملة في إطار تصور شامل لإصلاح المنظومة الصحية ،الّتي أصبحت محل تذمّر من الجميع، رغم توفر الكفاءات الطبية و شبه الطبية ورغم الصيت الّذي كسبه التونسيون في مختلف الاختصاصات، ممّا سهّل استيعابهم من العديد من الدول، و الهجرة المسجلة سنويا للأطباء خير دليل على ذلك.

نفس الأمر بالنسبة للصناعة الصيدلية والأدوية في تونس ، إذ أنها سجّلت تطوّرا لا يستهان به وكسبت خبرة هامّة أهلتها للتصدير إلى دول أوروبية و حتى للمشاركة في بعض المناقصات الدولية و هو ما جعل بعض خبراء من البنك الدولي يولون اهتماما بصناعة الأدوية و يقترحون إصلاحات لمزيد تطوير هذه الصناعة الّتي تمكنت من توفير حوالي 48 ٪ من احتياجات السوق المحلية و قد تمّ تسجيل نسبة تطور بنسبة 164 % خلال 5 سنوات حسب مصادر حكومية. إذن تتوفر إمكانيات التطوير و الإنماء في هذا المجال والأوساط الحكومية على بيّنة من ذلك و المطلوب هو توفّر الإرادة الجادة لمزيد تطوير هذا القطاع الحيوي والاستراتيجي، مع مراعاة مصلحة البلاد وعامة الشعب.

بقي أن تتوفّر الإرادة الجادة لتطوير البنية التحية في القطاع الصحي والحوكمة في التسيير والتصرف و قطع دابر الفساد الّذي ينخر المنظومة الصحية، والضبط المحكم لخارطة الخدمات وكيفية إسدائها وذلك بتقييم جاد للمنظومة المتدّخلة على مستوى الصناديق الاجتماعية بخصوص تحمل نفقات الأدوية والاستشفاء. فهذا التقييم ضروري في الظرف الراهن ، لأن الواقع المعاش و التجربة المنطبقة، بيّنت قصورها في توفير الخدمات والاستجابة لحاجيات المنخرطين، وكذلك عدم رضاء المسدين للخدمات الصحية من مؤسسات و أطباء على تنفيذ الصناديق لتعهداتها وهو ما يعطّل آليات التعامل العادية رغم محدوديتها.
إن ما حصل في تونس في ما سمي بـ«أزمة الأدوية» يحصل لأوّل مرّة بهذه الحدّة، وقد زادت ردود الفعل تخوّفا لدى المعنيين بالقطاع الصحّي، من خفايا «الأزمة» و تبعاتها بخصوص السياسة الصحية المستقبلية و خاصة بخصوص المكتسبات التي تحقّقت لعامة المواطنين، والحال أن المنتظر هو تثبيت المكتسبات وتطويرها في مجال الصحّة العمومية، وهذه أولوية اجتماعية حارقة و هامّة لتغيير الحاضر و للإعداد لمستقبل الأجيال القادمة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499