المسار الانتقالي المأزوم لا يصحح من خلال «الفايسبوك»

• آما آن الأوان لتحمّل المسؤوليات ؟
احتلّت وسائل التواصل الجديدة أهميّة في الحياة اليومية للتونسيين وأحدثت فرزا بين مختلف

فئات المجتمع. فصار للفايسبوكيين أحاديثهم وأخبارهم ونماذجهم القدوة التي يستقونها من الفايسبوك والتي تشكّل فهما محدّدا للواقع ، وبات لغيرهم من التونسيين المقاطعين أو العزوفين عن استعمال هذه الوسائط مرجعياتهم واهتماماتهم وأولويّاتهم. وهذا الوسيط الذي بات يهدّد التفاعل المباشر بين الناس( وجها لوجه) نافس وسائل الإعلام التقليدية وجعل أغلبها خاضعة له عوّالة عليه، ناقلة عنه دون استقصاء أو تمحيص ، وهو أمر دال على هيمنة وسائل التواصل الاجتماعي على العقول والنفوس ومبرهن على قدرتها على التحكّم في تشكيل الرأي العام وتنظيم العلاقة بين الفاعلين السياسيين والحقوقيين والجماهير من جهة، وفي بناء المعرفة من جهة أخرى.

وبالفعل أثبتت طريقة تفاعل جماهير «الفايسبوك» مع الحدث الإرهابي الأخير ما آل إليه وضع هذه الفئة من التونسيين من ارتهان لما ينشر من تعليقات وصور وأخبار وغيرها. أمّا السمة المميّزة لهذا التفاعل فتتمثّل في سيطرة التعبير عن مشاعر الغضب، والحزن... وغلبة الانفعالات، والتراشق بالتهم، وخطاب الكراهية، والبكائيات والندب والعويل والحنين إلى زمن الاستقرار «والأمن والأمان». وهذه الطريقة في التفاعل مع الأحداث الإرهابية هي في الواقع ، معهودة وتستمر لسنوات بل إنّها أضحت المهيمنة على بقية أشكال التفاعل، وهو أمر يدعو إلى القلق.

لقد صار الكسل الذهني و«السلبيّة» والركون إلى التنديد و«التنبير» من المظاهر الطاغية على الخطابات والمواقف وهو أمر يشير إلى أزمة يعيشها أغلب الفايسبوكيين إذ عجز هؤلاء عن تجاوز مرحلة الصدمة إلى مرحلة الفعل . ولكن إلى متى سيستمرّ هذا السلوك ؟ أفما آن الأوان للتونسيين أن يتحمّلوا مسؤولياتهم؟ فإذا كان أداء الطبقة السياسية دون المستوى، وتدبير أصحاب السلط لهذه المرحلة التاريخية العصيبة غير محقق للنجاعة المطلوبة، ودور المعارضة دون المستوى المطلوب فهل يكون رد فعل التونسيين الندب والعويل والشكوى والحنين للماضي وتعليق شمّاعة الفشل على الآخر؟ وما المطلوب من مختلف مكونات المجتمع المدني في مثل هذه اللحظات المفصلية: صناعة الأعداء أو الأبطال أو التحليل وإثبات إرادة الفهم ثمّ العمل على التغيير من خلال التشبيك والضغط والمناصرة وغيرها من الأدوات والخطط التي هي بحوزة الفاعلين في مختلف الجمعيات والمنظمات والرابطات و...؟

إنّ أغلب البكائين ومحترفي الندب واللطم والعويل يصرّون على عدم تحمّل أدنى مسؤولية لأنّهم مقتنعون بأنّ «الوقوف على الربوة أسلم» و«المتفرّج فارس» ولذلك يؤدون دورا على الركح «الافتراضي» ويعتقدون أنّه بطولي. فهم يلعنون الحكومة والوزراء والرئيس والأحزاب الموالية والأحزاب المعارضة بل إنّ منهم من يلعن الزمن الغادر. وهكذا يكتفي هؤلاء بإطلاق الكلام على عواهنه ولا يخضعون أنفسهم للمساءلة.

لا أحد يتساءل ماذا فعلت من أجل هذا الوطن؟ وماذا قدّمت باعتباري مواطنا مسؤولا وملتزما بقضايا بلدي؟ وهل ساعدت وآزرت أم أنّني كنت غير مهتمّ بمآسي الآخرين ؟ هل أنا مواطن مسؤول وفاعل في مجتمعي؟ هل فكّرت في البدائل والحلول ؟ هل أنتجت وابتكرت؟ هل أصلحت من موقعي بعض الهنات ؟ هل اضطلعت بدوري على أحسن وجه؟ إنّ هذه الأسئلة وغيرها هي التي يجب أن تطرح. فالمساءلة تبدأ بالذات قبل الآخر والتشاركية قاعدة لبناء مرحلة الانتقال وتصحيح المسار متى انحرف. وليست علاقة المواطنين بالحكومة علاقة إلزام بتحقيق الخدمات فحسب بل هي علاقة تعاقدية تقوم على أداء الواجبات والمطالبة بالحقوق في آن واحد، هي أخذ وعطاء وليست تواكلا على الآخرين. لقد ولّى عهد الاستمتاع بموقع غير الراشد الذي ينتظر من الدولة ‹الأبوية› أن تلبّي طلباته وحلّ عهد العمل المشترك على قاعدة الندية كل ذلك من أجل الخروج من الوضع المتأزم.

لا يمكن أن نستمر في القول: «البلاد داخلة في حيط» في الصباح والمساء ولا يكفي أن نضع بعض «اللايكات» ولا صور الحداد على صفحاتنا لنعبر عن وطنيتنا. فمواجهة الأزمات تتطلّب مغادرة «الأرائك المريحة» والتشمير على السواعد والمسار الانتقالي المأزوم لا يصحح من خلال الفايسبوك.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499