حلقة جديدة في صراع أجنحة السلطة : الهيئة السياسية للنداء تنتفض على حافظ قائد السبسي هل هي بداية نهاية «التوريث الديمقراطي» ؟

تتفاقم الأزمة السياسية في البلاد وتتعفن يوما بعد يوم بحكم تداخل أبعاد عدة فيها إلى درجة انه أصبح

من الصعب جدا تمييز الخيط الأبيض من الخيط الأسود من كل مناورات وصراعات أجنحة السلطة اليوم .

لعله من المفيد ، لتوضيح أدنى للصورة اليوم، مراجعة بعض دلالات المصطلحات التي نتفق على لفظها دون الاتفاق ضرورة على دلالتها ..

من هي أجنحة السلطة اليوم في تونس؟ سؤال يبدو بديهيا ولكن الإجابة الدقيقة عنه ستكشف لنا أبعادا جديدة في الصورة ..

يعتقد بعضهم أن أجنحة السلطة تتكون فقط من أطراف وشقوق أحزاب الحكم ولكن واقع تونس هو غير ذلك إذ ينبغي أن نضيف لأطراف وشقوق أحزاب الحكم هذه مؤسسات الدولة الرئيسية من رئاسة جمهورية وحكومة وبرلمان وكذلك كل الأطراف الموقعة على وثيقة قرطاج الأولى والثانية فهي أيضا قد أصبحت جزءا أساسيا من أجنحة السلطة ولكل جهة فيها حسابات وتكتيكات وصداقات (ظرفية كلها) وخصومات تبدو دائمة ولكن لا أحد متأكد من آفاقها ومآلاتها ..

ولكن ينبغي أن نضيف إلى كل هؤلاء جملة الأفراد من ذوي النفوذ وأصحاب اللوبيات التي تؤثر بمقادير مختلفة في طبخ القرارات ثم التسويق لها .. هذه هي أجنحة الحكم التي نتحدث عنها ففيها المؤسسات والأحزاب والمنظمات واللوبيات .. وتتقاطع مصالح كل هذه الأطراف وتتصادم وفق منطق لا يمكن فهمه وفق مفاهيم العلوم السياسية بل وفق المنطق المباشر للمصالح الآنية الفردية والفئوية لكل طرف وإن ادعى جميعهم غيرة على البلاد وعلى مستقبلها .. أو لنقل بأن هذه الأطراف لا تميّز البتة بين ما تعتبره مصالح البلاد الحيوية وبين مصالحها الشخصية والحزبية والفئوية ..

وما زاد هذا الوضع تعقيدا وعسرا في الفهم هو تداخل مسارين مختلفين ومتضافرين في نفس الوقت : الانتخابات العامة التشريعية والرئاسية في نهاية 2019 ومشروع «التوريث الديمقراطي» الذي بدأ منذ 2014 ويعيش اليوم منعرجا قد يكون حاسما وقد ينتهي بقبره نهائيا ..
والواضح أن كل أجنحة الحكم التي تحدثنا عنها تتموقع سلبا أو إيجابا مع هذين المسارين وكل طرف يعتقد انه بإمكانه توظيف طموح «التوريث الديمقراطي» ليحقق بواسطته مكاسب سياسوية آنية ..

ولكن ما يحصل اليوم في نداء تونس قد فأجأ أطرافا هامة في أجنحة الحكم لأنها راهنت كلها على قدرة نجل رئيس الجمهورية على الصمود وعلى التحكم في آلته الضاربة الوحيدة: ما بقي من كتلته النيابية حتى يتمكن خصوم الحكومة من الاعتماد عليها إما لإسقاط صاحب القصبة الحالي يوسف الشاهد أو لإفقاده لأية أغلبية ممكنة مما سيضطره عاجلا أو آجلا للاستقالة.

الكل كان يعتقد بان المدير التنفيذي للنداء وصاحب الباتيندة قد أحكم قبضته على مما تبقى من هياكل حزبه وان كل خصومه لا قدرة لهم على اختراق هذه الصفوف الموالية لنجل رئيس الجمهورية ..
ولكن ما نسيته «الأدمغة المفكرة» في البحيرة (المقر المركزي لنداء تونس) هو أن الصراع هذه المرة يختلف كثيرا عن سابقيه وأن الاخفاقات الانتخابية المتتالية بدءا من التشريعية الجزئية في المانيا مرورا بالانتخابات البلدية وصولا إلى انتخابات رؤساء البلديات حيث مني النداء بهزيمة مجددة .. كل هذه الهزائم مجتمعة دفعت بعدد من الندائيين إما للإفصاح بقوة ومن جديد عن خلافهم مع المدير التنفيذي وهؤلاء عددهم قليل نسبيا ، أو لإعادة الحسابات والمراهنة على جواد آخر لخوض الاستحقاقات الانتخابية للسنة القادمة..

وهنا ينبغي الإقرار بأن الهجوم الكاسح ليوسف الشاهد على حافظ قائد السبسي قد اتى أكله وأقنع أعدادا متزايدة من الندائيين وخاصة في الكتلة البرلمانية بأن شيئا ما قد حصل وأن اتجاه الريح قد تغير وأن رمال الصحراء بصدد إرباك ماكينة «التوريث الديمقراطي» ولا أدل على ذلك من أن يجد صاحب الباتيندة نفسه في وضع الأقلي في الهيئة السياسية المنبثقة عن «مؤتمر» سوسة والحال انه قد كان مهندس هذا المؤتمر وبه تمكن من إحكام قبضة بدت نهائية على الحزب الذي أسسه والده

والطريف والمضحك هو سعي القيادة الملتفة اليوم حول نجل الرئيس إلى إعادة إحياء «الهيئة التأسيسية» من جديد عسى أن يظفر فيه المدير التنفيذي بأغلبية ولو نسبية تسمح له بالرد على الهجوم الكاسح لأغلبية الهيئة السياسية (انظر صفحة 4) ولا يهم إن كان حافظ قائد السبسي قد أعلن في أكثر من مناسبة عن نهاية الهيئة التأسيسية ولا أن النظام الداخلي للحزب الذي تم تبنيه في مؤتمر سوسة يعلن بوضوح في فصله الأربعين بأن الهيئة التأسيسية هي «هيئة استشارية» يقتصر دورها على «إبداء الرأي» فيما يعرض عليها المكتب السياسي من مسائل المهم عند المدير التنفيذي للنداء هو السعي لاستنزاف خصومه في معارك جانبية في انتظار تغيير محتمل لموازين القوى..

لقد اعتقد الجميع بان حافظ قائد السبسي سيبقى قويا ومهيمنا على النداء ما دام والده في قصر قرطاج ولكن يبدو أن الرمال المتحركة في البلاد ستنال من النجل وأن بنوته البيولوجية لا يمكنها أن تنقذه من هذه الوضعية الجديدة ..
ولكن بالطبع الحرب داخل أجنحة السلطة لم تنته بعد وصمت رئيس الدولة يغذي كل التأويلات ويأمل رفاق صاحب الباتيندة وحلفاؤه الجدد أن يتدخل الباجي قائد السبسي ليغير الموازنات من جديد..

الواضح بأن الوضع السياسي مرشح لمزيد التعفن وأن حالة انسداد الأفق ستستمر ما لم يحسم صراع الأجنحة هذا بصفة نهائية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499