دونالد ترامب: هذا الرجل يريد أن يغيّر العالـم!

ما حصل يوم أمس في سنغفورا تاريخي بكل ما في الكلمة من معنى:

مصافحات وابتسامات ومفاوضات بين «زعيم العالم الحر» دونالد ترامب كما كان يحلو لبعضهم تسمية رؤساء الولايات المتحدة وآخر اثر للحرب الباردة كيم يونغ أون الحاكم من الجيل الثالث لكوريا الشمالية آخر دولة «شيوعية» في العالم.
وما فاجأ الجميع هو أن صاحب البيت الأبيض الجديد الرئيس الثري والمخالف لكل الأعراف بصدد النجاح في إطفاء أحد أهم النزاعات الإقليمية وقد يكون أول من يصفي تركة الحرب الكورية المدمرة في خمسينات القرن الماضي .. أول حرب وآخرها شهد فيها العالم مواجهة شبه مباشرة بين المعسكرين المتحكمين في العالم آنذاك ..
ودونالد ترامب الذي صافح يوم أمس مرات عديدة العدو اللدود لأمريكا كان قد شتم قبل يوم رئيس حكومة كندا تريدو احد أهم حلفاء الولايات المتحدة الأمريكية واصفا إياه بالضعيف وبغير النزيه بالمرة ونحن لا ننسى انه هو الذي أعلن قبل أسابيع إنفاذ قرار تحويل مقر سفارة أمريكا إلى القدس المحتلة وما رافق ذلك من موجة احتجاجات فلسطينية وعربية ودولية ..
هل نحن أمام رئيس متقلب مزاجي أم شعبوي ثري أم مفاوض شرس أم مزيج من كل هذا وزيادة ؟ !

الواضح أن دونالد ترامب رئيس ليس ككل الرؤساء عندما نقف فقط على مستوى النواميس الديبلوماسية الكلاسيكية وما يجوز فيها وما لا يجوز ولكن عندما ننظر إلى الخيط الجامع بين مختلف مواقفه نرى منطقا ناظما قوامه شعاره في الحملة الانتخابية « أمريكا أولا» وهو في هذا يمثل ما يسمى بالتيار «الانعزالي» داخل الطبقة السياسية الأمريكية أي ذلك التيار الذي يعتقد أن الولايات المتحدة بصدد إنفاق أموال طائلة وتضحيات جسيمة من اجل حماية حلفائها ولعب دور الشرطي الكوني وان هذه السياسة على حساب رفاهية دافع الضرائب الأمريكي ..

فالانعزال هنا ليس تراجعا عن دور القوة الأولى في العالم بل هو ممارسة لها وفق الشروط الأمريكية والمصالح المباشرة والواضحة لدافعي الضرائب أي عدم الاكتراث بالأطر متعددة الأطراف والرغبة بتعويضها بعلاقات ثنائية مباشرة ولهذا يرفض ترامب ككل «الانعزاليين» أن تدفع أمريكا ماليا وعسكريا لحماية حلفائها الأوروبيين في الحلف الأطلسي .. وهذا معنى قول ترامب : علاقتي جيدة مع ماركل ولكن لا افهم كيف ندفع نحن %4 من ناتجنا الخام للحلف الأطلسي بينما لا تدفع ألمانيا سوى %1 وناتجها اصغر بكثير من ناتجنا ..

وفي نفس السياق تأتي إجابته يوم أمس في الندوة الصحفية في سنغفورا عندما سئل عن تكلفة تفكيك البرنامج النووي لكوريا الشمالية فقال : أمريكا لن تدفع دولارا واحدا .. لكوريا الشمالية جيران اثرياء (اليابان وكوريا الجنوبية ) والأكيد انهما سيسهمان بسخاء في هذا المجال .. كما نجد نفس المنطق وراء خروج أمريكا من معاهدة المناخ بباريس وفرضها رسوما قمرقية على الفولاذ والألمنيوم الوارد عليها من أوروبا والكندا وتعطيل أعمال اللجان الفنية في منطمة التجارة العالمية وتهديد الصين بعقوبات إن هي لم تسهم في تخفيض العجز التجاري الضخم في مبادلاتها مع واشنطن ..فمصلحة المزارع والعامل الأمريكي تمر قبل القوانين المنظمة للتجارة العالمية .. فهذا الرجل الثري للغاية يريد أن يكون صوتا للمتضررين من العولمة ولهذا تراه يريد فرض ما فهم بأنه حرب تجارية شاملة على كل حلفاء وشركاء واشنطن ..

وفي الحقيقة سواء تكلم رئيس أمريكا باسم المنتفعين من العولمة (اوباما) أو المتضررين منها (ترامب) فهاجس الاثنين وكل أصحاب القرار في أمريكا هو تأجيل ما أمكن التراجع الأمريكي النسبي أمام صعود القوى الجديدة كالصين أولا ومن بعدها الهند وغيرها من القوى الوسطى اليوم والتي قد يتعاظم حجمها ودورها في العقود القادمة ..
ترامب كسابقيه يدرك جيدا أن مركز ثقل العالم انتقل من المحيط الأطلسي إلى المحيط الهادئ وسيكون هذا التحول حتما على حساب القارة العجوز وان القوى العظمى في نهايات القرن التاسع عشر إلى أواسط القرن العشرين كبريطانيا وفرنسا بالخصوص ستصبح قوى وسطى من الدرجة الثانية بعد عقود قليلة وان وحدها الولايات المتحدة الأمريكية مازالت قادرة على الصمود وعلى المحافظة على الريادة الاقتصادية والعلمية والعسكرية أمام دول كالصين والهند وكوريا الجنوبية ..

ولكن المساف&&ة بينها وبين ملاحقيها في تقلص مستمر وسيأتي قريبا اليوم الذي يفقد فيه الدولار مركزيته في التجارة العالمية وفي الأسواق المالية وستفقد تبعا لذلك الولايات المتحدة الكثير من امتيازاتها الحالية ..
هذا هو السيناريو الذي يريد كل رؤساء امريكا الحيلولة دونه كل بطريقته وبإستراتيجية الاحتواء التي يتبناها ..

ما يميز ترامب هو مباشرتيته التي تقترب كثيرا من العنف اللفظي فهو يريد اليوم أن يغير من موقع القوة العلاقات التي تحكم هذه العولمة «السعيدة» حتى تحرم أمريكا منافسيها وحلفاءها من فرص التقدم على حسابها ..

ولكن تغيير العالم بمنطق القوة سيسفر حتما عن المزيد من التوتر وقد تفرز الحروب التجارية حروبا كاسحة ومدمرة حتى وإن كانت محدودة في الزمان والمكان علاوة على تراجع النمو الاقتصادي العالمي وما سيصاحبه حتما من أزمات وبؤر توتر جديدة..
على امتداد اقل من سنة ونصف منذ توليه مقاليد البيت الأبيض يتصرف دونالد ترامب وفق مبدإ بسيط : هو يفعل ما يقول ويقول ما يفعل ويتطرق لكل القضايا بإستراتيجية المدرعات : الزحف ولا شيء غير الزحف ..
ولكن كم من مدرعة فسد أمرها بحبة رمل واحدة ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499