في ظرف تسير فيه البلاد إلى الوراء: بأية وعود ستنطلق الحملة الانتخابية ؟

الانطباع الّذي يخرج به التونسي المتابع للشأن العام،

أن آفاق العيش تزداد ضيقا يوما بعد يوم،و أن نسق الحياة اليومية لا يتقدّم نحو الأفضل و لا يتحسّن ، بل يشهد تقهقرا متزايدا في أغلب المجالات .

و لا يحتاج المواطن في هذه الأحوال إلى عرض للأرقام المسجلة في هذا المجال أو ذاك ، و إلى الإحصائيات، أو إلى ما ينشر عن مراتب تونس وتصنيفها من الدوائر الّتي ترصد و تراقب مختلف الأوضاع ، إذ يكفيه أن يؤم الساحات العامة وتخوم المدينة العتيقة و حزام الأحياء الّتي تحيط بها ، ليقف على ما وصل إلى الوضع العام ،و على ما أصبحت عليه مشاهد تونس سواء من خلال سمات وجوه أناسها أو من حالة معمارها و أزقتها و شوارعها.

لا يحتاج المواطن إلى التثبت في التوصيف الإعلامي و إلى عمليات سبر الآراء و لا إلى منابر التقييم الّتي بقت تراوح مكانها منذ جانفي 2011، ليقف على حقيقة عجز النخبة و الطبقة السياسية عن إيجاد منافذ للخروج من مظاهر التأزم ، لوقف حالة التقهقر إلى الخلف الّتي يشهدها المجتمع .
لقد زرعت السياسات المتبعة في السنوات السبع الأخيرة –بوعي أو بدون وعي - بذور الفوضى والإحباط بالشد إلى الوراء و ربط محاولات التقدّم بمجريات الماضي و إعادة قراءته، إلى درجة أن الأحكام على الحاضر و ضبط مسار تقدّمه ، أصبحت مبنية على المقارنة بالماضي ، وعلى محاكمته ، مع توخي منهجية سياسية مركّبة و غير متجانسة ، تسبّبت في إعاقة البناء و حصول التقهقر.

في هذا المناخ تستعدّ البلاد لخوض أوّل انتخابات بلدية في ظل الجمهورية الثانية و أصبحت الحدث المنتظر منذ سنوات بعد أن تأجلت أكثر من مرّة ، و الّتي تنطلق اليوم حملتها الانتخابية لمدّة ثلاثة أسابيع .
إن طول انتظار هذه الانتخابات لم يكن عاديا لذلك لن تكون الانتخابات عادية ، و إنّما سنكون إزاء استحقاق حامل لعدّة رهانات ، باعتباره يسبق بأشهر الانتخابات التشريعية و الرئاسية لسنة 2019 .

لذلك سيعمل المترشحون في الظاهر على إقناع الناخبين بانتخابهم لتولي الشأن المحلي اللّصيق بمشاغلهم اليومية ، و لكن لن يكون الاختيار مبنيا على برامج انتخابية خاصّة بالبلديات باستثناء القائمات المستقلّة ، و إنّما ستشهد مختلف الجهات تنافسا للإقناع بمتطلبات مرحلة ما بعد البلديات في إدارة الشؤون المحلية و في إرساء متطلبات تطبيق اللاّمركزية الجديدة و الحكم المحلي واستكمال تركيز مؤسساته الجديدة طبق ما جاء به دستور 2014 .

و بما أن التنافس الحقيقي سيكون بين الحزبين الحليفين في السلطة اليوم حزب نداء تونس وحزب النهضة المترشحين في كل الدوائر البلدية تقريبا، فإنهما سيكونان محط حملة مضادة لهما من بقية القائمات المترشحة مجتمعة، على خلفية أنهما، المسؤولان على تردّي الأوضاع العامّة بالبلاد بخصوص الأداء السياسي العام، من جهة ، ومن جهة ثانية، باعتبارهما المتقاسمان للنيابات الخصوصية القائمة حاليا، و قيام مسؤوليتهما على تردي الأداء البلدي .

هذا المنحى الأوّل ، سيجعل قائمات حزبي الأغلبية في السلطة ، يقتسمان تبعات «غضب» القواعد المحلية في مختلف الجهات على نتائج الحكم الثنائي أساسا، و لكن سيكون حزب النهضة أكثر أريحية في التنصل من المسؤولية لأنه سيتعلّل بعدم مسكه الأغلبية و بعدم امتلاكه لكرسي رئاسة الجمهورية ، و هو ما سيتيح لأتباعه «المعلنين» و«غير المعلنين» الانخراط في جوقة المعارضين لقائمات الندائيين وأتباعهم. وتبعا لذلك ستجد القائمات المستقلّة (860 قائمة) والقائمات الائتلافية (159 قائمة ) نفسها نظريا في وضعية أفضل في خوض المنافسة ، ما لم تتدخل اعتبارات أخرى تتعلّق بالإمكانيات و بالانضباط الانتخابي ،و عدم توفر الاستقلالية التامّة لبعضها . هؤلاء سيركزون على مواطن الفشل لحزبي الأغلبية الحاكمة، و سيجدون المجال واسعا لإطلاق الوعود بالنهوض بالأداء البلدي و بالإعداد لمتطلبات الحكم المحلي مع بيان خصوصيات كل منطقة ومتطلبات إصلاح الشؤون فيها .

و لكن لا ننسى أن خوض الانتخابات يتمّ لأول مرّة بعد جانفي 2011 ، و إن قائمات حزبي الأغلبية الحاكمة تمتلك التجربة في الانتخابات التشريعية و الرئاسية ، و تتحكّم نسبيا في الانضباط ، وتمتاز بـ«رصيد معنوي» لوعودها الانتخابية، في حين أن بقية القائمات لا تملك غير رصيد مصداقيتها لدى ناخبيها ،و لا تتحكّم في الانضباط المطلوب و لا تضمن صمود أطرافها أمام الإغراءات أو الضغوطات.

المنحى الثاني الّذي يجب وضعه في الاعتبار، يتمثّل في رهان المشاركة الواسعة للناخبين في العمليات الانتخابية ،إذ تُظهر المؤشرات الأولية غياب الحماس في استقبال هذا الاستحقاق، و هو ما قد يستدعي تكثيف حملات التحسيس للحث على أداء واجب المشاركة في انتخابات على غاية كبيرة من الأهمية حاضرا و مستقبلا لأنها ستعطي فكرة عن مدى تحمل مسؤولية «المواطنة» في المشاركة في الشأن العام للمساهمة في الخروج من التردّي المشهود.

و إذا كانت عين الأحزاب على 2019 فإن عين الناخبين يجب أن تكون على المشاركة الفعاّلة لتجنيب البلاد مزيدا من تردّي الأوضاع المحلية الّتي طالتها مظاهر التسيب و الفوضى و ترك الفواضل و نقص العناية والإحاطة بظروف السكن والفضاء العام ،لتوفير مستلزمات العيش الكريم و البيئة السليمة . فترك المكان فارغا لا يفيد غير القادرين على فرض الإنضباط و لو كانوا من الأقلية ، و هو ما يغمر صوت الأغلبية الصامتة و يجحف في حقها في شأن لصيق بمحيطها الضيّق و لكنه يشكل في النهاية منطلقا لتحقيق ما تصبو إليه في محيطها الواسع .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499