هل يمكن إنقاذ البلاد دون أن تفقد الطبقة الوسطى بعض امتيازاتها ؟

قد يبدو السؤال الذي عنونّا به هذه الافتتاحية من باب الافتراضات النظرية

ولكن في الحقيقة نحن أمام مسار قد بدا ولأول مرة بصفة منهجية. لقد تضمن قانون المالية لسنة 2018 جملة من القرارات أثرت بصفة نسبية على القدرة الشرائية للطبقة (أو بالأحرى للطبقات) الوسطى بدءا بالزيادة بـ %1 في الأداء على القيمة المضافة ثم ضريبة %1 كمساهمة تضامنية إضافة إلى التأثير المباشر لارتفاع نسبة التضخم والتي بلغت في موفى الشهر المنصرم %7.6..

ولكن يبدو أن هذه إن هي إلا بداية الطريق وأن الطبقات الوسطى (أي حوالي ثلثي التونسيين) مدعوة لمزيد التضحيات أي التراجع النسبي للقدرة الشرائية لأهم مكونات هذه الطبقة الوسطى ولاسيما الأجراء في القطاعين العام والخاص ..

وضعية الطبقة الوسطى ولاسيما شريحة الأجراء لا ترتبط فقط بالصحة العامة لاقتصاد البلاد ولكن بالوضعية الحالية للمالية العمومية ، وإن كان هذا جليا بالنسبة للموظفين إذ يتم سداد أجورهم مباشرة من الميزانية العامة للدولة ولكن كل الأجراء مرتبطون بصفة جوهرية بالموازنات المالية العامة على الاقل فيما يخص الصناديق الاجتماعية اذ الدولة ضامنة لها بما في ذلك الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي الممول بالأساس من أجراء ومؤسسات القطاع الخاص..

يمكن أن نجيل النظر في كل مؤشرات المالية العمومية وان نتصور كل الحلول العاجلة الممكنة ولكن هنالك حقيقة واحدة لم تفرض نفسها بعد على كل التونسيين : الدولة في بلادنا تعيش فوق إمكانياتها أي أنها تنفق أكثر بكثير من مواردها الجبائية وغير الجبائية وأن الفارق بين جملة إنفاقاتها وكل مداخيلها يصل إلى حدود %30 من الميزانية العامة للدولة وأن هنالك ثلاثة حلول عاجلة لا رابع لها : اما الزيادة في الضرائب أو تقليص الإنفاق العمومي أو مزيد من الاقتراض وكل الحلول الممكنة إنما هي تشكيلات بنسب متفاوتة من هذه الإمكانيات الثلاث الكبرى ..

هذا على المستوى العاجل ولكن نعلم جميعا أن التداين المتفاقم يؤدي إلى إفلاس الدولة وانهيار الاقتصاد كما أن الترفيع في الأداء إن تجاوز حدا معينا (ونحن قد شارفنا على هذا الحد في تونس) فهو يؤدي حتما إلى انكماش النشاط الاقتصادي وإلى تفقير نسبي لكل المجتمع ..
فمن الناحية الموضوعية هنالك طريق واحدة أمام البلاد لا ثانية لها وهي الحد من تفاقم الإنفاق العمومي أو على الأقصى أن يتطور هذا الإنفاق دون تطور نسبة النمو وذلك على امتداد عقد من الزمن على الأقل ..
ولكن التشخيص لا يكفي اذ الصعوبة كل الصعوبة تكمن في تجسيم التحكم في الانفاق العمومي وفي كيفية توزيعه ..

هنالك ثلاثة أصناف من الإنفاق العمومي لها تاثير مباشر أو غير مباشر على القدرة الشرائية لكل التونسيين وعلى الطبقات الوسطى بصفة أدق :

- التأجير العمومي والمصطلح عليه بكتلة الأجور والتي تتجاوز %40 من مجموع ميزانية الدولة

- دعم المواد الأساسية الغذائية والمحروقات

- مختلف نفقات التصرف الأخرى ونضيف إليها نفقات التنمية ..

لو أرادت البلاد تجنب الانكماش الاقتصادي يجب عليها أن تعطي الأولية المطلقة لنفقات التنمية وكذلك لجملة نفقات التصرف التي يرجى منها المحافظة على جودة دنيا للخدمات العمومية .. بل وينبغي الزيادة فيها لأنها هي الاستثمار في المستقبل ..

الإشكال الأكبر يكمن في الحد من نفقات التأجير والدعم دون الإضرار المجحف بالطبقات الوسطى ..وهنا تكمن الصعوبة الكبرى إذ يمكن التحكم في هذه النفقات بطريقتين : إما إيقاف قوي للانتدابات في الوظيفة العمومية وعدم تعويض نصف الخارجين للتقاعد على الأقل أي حصر الانتداب في حدود لا تتجاوز خمسة او ستة آلاف موظف جديد بما قد يعني هذا من مفاقمة نسبية للبطالة أو تجميد الأجور وهذا يعني أن الأجراء سيفقدون %7 أو أكثر من قدرتهم الشرائية في سنة واحدة ..

وإذا ما أضفنا إلى ذلك إصلاح منظومة الدعم بتوجيهه لمستحقيه فذلك سيؤثر حتما على الأقل على الطبقات الوسطى العليا .. وكذلك فإن إصلاح منظومة التقاعد ستنعكس حتما بخسارة من نقطة إلى عدة نقاط خاصة بالنسبة للمتقاعدين الجدد ..
الإشكال المحوري هو أن رتق الفتق بين الإنفاق العمومي ومداخيل الدولة يستوجب حتما القبول بتراجع نسبي للمقدرة الشرائية للطبقات الوسطى ولاسيما الأجراء حتى لا تعيش البلاد فوق إمكانياتها .. ولكن الحل الايجابي يبقى بالطبع في زيادة الإنتاج والإنتاجية بدرجة تسمح للدولة بمداخيل جديدة دون فرض ضرائب إضافية وفي هذه الحالة يصبح من الممكن إعادة توزيع جزء من الثروة نتيجة مراكمة النمو والإنتاجية ..

يبدو أننا سنصطدم بهذه المعضلة في الأيام والأسابيع القادمة ولنا حلان لا ثالث لهما : إما التفاوض العقلاني من اجل تقاسم عادل للتضحيات أو حوار الصم ومفاقمة الأزمة وإرجاء الإصلاحات وحينها يكون الثمن مرتفعا وقد لا نقدر على تحمله ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499