«الكناتري أو في مأسسة ثقافة انتهاك القوانين وتدمير الدولة»

تقاس الشعوب المتحضّرة بمدى التزامها بالقانون، وتعرّف الدول المتقدّمة بمدى قدرتها

على فرض احترام القوانين وتحويل ترسانة التشريعات والنصوص والمعاهدات والاتفاقيات من نصوص صارمة ذات صبغة «مجردة» إلى ثقافة مترسخة لدى المواطنين بحيث تصبح الممارسات دالة على تجسّد المواطنة في بنية إدراك الأفراد.

ولكن يبدو أنّ التونسي ما عاد يؤمن بسلطة القانون فصار عدد المتعمّدين تجاوز القوانين أكثر من المنضبطين لها ، وبات الإفلات من العقاب قاعدة لا استثناء. نسوق هذا الاستنتاج بعد أن عاينّا على أرض الواقع اتّساع علامات هشاشة الدولة في فرض احترام القانون، واتّساع الفجوة بين ما يصرّح به المسؤولون في الحكومة من شعارات : وأوّلها "دولة المؤسسات والقوانين"وما نراه على قارعة الطرق حين نمرّ على ولايات في الجنوب والشمال.يكفي أن يتجوّل التونسي في ربوع البلاد من قابس وجربة ونفطة وتوزر وغيرها من المدن ... حتى يلحظ أنّ تجارة البنزين المهرّب والمازوط تعيش أبهى عصورها ويعلم في ذات الوقت، أنّ شبكة التهريب معقّدة وقد تورّط فيها عدد من الذين يفترض أن يكونوا ساهرين على عدم تجاوز القانون. وهنا نتساءل هل مرّ الموكب الرسمي للوزراء بهذه الطرقات؟ فما معنى أن نرى دكاكين مهيأة لبيع هذه المواد الحارقة والمهرّبة والتي تضرّ بالاقتصاد المحليّ وبالبيئة وبسلامة المواطنين؟ وما معنى أن يبيع المهرّبون «سلعهم» في النهار وعلى قارعة الطريق حيث يمرّ الوالي والمعتمد والحرس والشرطة....وصولا إلى السيّاح؟ وما معنى أن ينتهك أصحاب هذا البزنس القانون دون أدنى شعور بالخوف ؟ وما معنى أن يتكاثر عدد الباعة حتى يغدو التنافس على أشدّه ويتحوّل الأمر إلى صراع على المواقع؟

وأنت تمرّ بهذه الربوع ينتابك إحساس بالرعب لما آل إليه الوضع... فهذا يعني أنّ الدولة ما عادت قادرة على بسط نفوذها إلاّ في المركز وفي بعض المدن الكبرى أمّا عدا هذا المحيط الجغرافي فلا سلطة إلاّ للمهربين الذين صاروا يمثّلون القدوة وقصص النجاح .فبعد أن كان الأهل يكتمون خبر متاجرة أبنائهم في الممنوع صاروا يقولونها بكلّ فخر واعتزاز: ابني «تاجر» و«رجل أعمال» وصارت لهؤلاء «التجار» خبرة بالمسالك الوعرة بين تونس والجزائر أو بين تونس وليبيا ، وصاروا يحدثونك بكلّ ثقة عن فترات الكساد وفترات الازدهار ، ويهزؤون من الحالمين بالشهادات العليا ، والمتعلّقين بركاب الحكومة منتظرين التشغيل... إنّهم الحكومة ولا سلطة خارج نفوذهم.
يكفي أن تتحاور مع بعضهم حتى يخبرك بأنّ الجميع صاروا يقتدون بالأنموذج: «تجّار البنزين» الذين استطاعوا في مدّة وجيزة الإثراء وباتوا يحلمون بتطوير أساليب العمل وبشراء المخازن وتشغيل اليد العاملة ... في هذه الجهات تغيّر نمط العيش وأفق التفكير وتغيّرت الأولويات ومنظومة القيم فما عاد الواحد يسأل عن الالتزام بالقانون ، «عن الحلال والحرام» عن الضمير والأخلاق وعن الوطنية...إنّما هو مبدأ «استغلال الفرص» فما دامت الدولة ضعيفة فلا خوف بعد اليوم إذ بمالك تفرض ذاتك.وهكذا يعزف الشبان عن الدراسة والثقافة والمعرفة وتعلّم الصنائع والمشاركة في الشأن العامّ مادامت تجارة البنزين تجارة مربحة تلهيهم عن تتبع مآسي العباد ... وهكذا يهبّ اليافعون والشبان والكهول وبعض النسوة من مراقدهم ليتاجروا في الممنوع بكلّ سرور... وهكذا يعترض سبيلك طلبتك القدامى ليقولوا لكِ بكلّ فخر «الحمدولله يا مدام...بالكنتره أحوالنا ماشية 100 - 100 آش اعملنا بيها القراية»...

أعود إلى كتبي وأوراقي لأعيد النبش في سير الفتّاك والصعاليك والحشّاشين لأتذكرّ كيف أنّهم نجحوا في تحويل منظومة القيم وفرضوا سلوكا خاصّا بهم وأنتجوا ثقافة فرعية تعبّر عنهم. فأقول: بعد سنوات قليلة سأقترح دراسة «أنموذج الكناتري» باعتباره صار يمثّل قصة نجاح الشباب في إدارة الأعمال واستثمار الفرص لتنمية الذات والجهات بعد الثورات ونهب الخيرات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499