سنتان على ملحمة بن قردان: دروس وعبر

سيبقى يوم 07 مارس 2016 يوما من أيام تونس كما يقول العرب القدامى يوم هزمت تونس

في لحمة رائعة ببن قردان بين قواتنا الأمنية والعسكرية وسائر المواطنين أهم وأخطر هجوم إرهابي على أراضيها كان الهدف منه أن يكون للدواعش موطئ قدم ببلادنا ولو بصفة مؤقتة فتحطم هذا الكابوس في ساعات قليلة ووضعت بن قردان خطا فاصلا بين ما قبلها وما بعدها في حربنا الطويلة والصعبة ضد الإرهاب ..
في بن قردان هنالك الحدثي وهنالك الاستراتيجي والرمزي ،والحدثي هام ولاشك ولكن الاستراتيجي والرمزي أهم بكثير ..

لقد عاشت تونس ما بين 2013 و2015 سنوات بائسة حصد فيها الإرهاب أرواح شهداء الحرية والوطن من قادة سياسيين وأبطال الأمن والحرس والجيش ثم استهدف زوار تونس في مناسبتين بباردو وسوسة كما استشهد في هذه الحرب المفروضة على البلاد وقيمها وثقافتها مواطنون عزّل،وقد اعتقدت الجماعات الارهابية الداعشية انه بإمكانها المرور إلى مستوى أهم واخطر وهو التخطيط للاستحواذ على جزء من تراب البلاد ثم التمترس بالأهالي حتى يكون لاسترجاع هذا الجزء ثمن بشري باهظ ..

وقد اعتقدت الجماعات الإرهابية أن مدينة بن قردان مهيأة أكثر من غيرها بحكم قربها من حدودنا الشرقية مع الجارة ليبيا وتوهموا انه بإمكانهم توظيف غضب أهالينا هنالك على ضعف النسق التنموي لكي يكون جزء منهم في صف المعتدين أو على الأقل أن يحيدوا قبل أن يصبحوا دروعا بشرية لا حول لهم ولا قوة ..
ولقد نجحت تكتيكات مماثلة للجماعات الإرهابية في بعض مدن العراق وسوريا فاعتقدوا أن ما يصلح هنالك قد يصلح هنا ولكنهم فوجئوا بيقظة واستبسال قواتنا العسكرية والأمنية وباصطفاف تلقائي وكثيف لكل المواطنين لترصد الإرهابيين وإسناد معنوي لجنودنا البواسل فكانت النتيجة التي يعلمها الجميع : دحر الهجوم الإرهابي الذي ساهم فيه عدة عشرات من المدججين بالسلاح الحربي في ظرف سويعات قليلة ..

الهام في كل هذا هو التناغم الكلي بين مختلف أجهزة الدولة وبين كل المواطنين في ضرورة دحر الإرهاب وهزمه ،وهذا التناغم الكلي لم يكن متوفرا زمن الترويكا لا فقط لتساهل أحزاب الحكم آنذاك مع ظاهرة الإرهاب السلفي الجهادي المعولم ونقصد هنا بالتحديد حركة النهضة وحزب المؤتمر ولكن أيضا لضعف في الجاهزية الأمنية وللارتباك في حوكمة هذه الحرب المفروضة..

لقد تغيرت الأمور تدريجيا منذ سنة 2014 فتظافرت الإرادة السياسية مع التطور اللافت للجهوزية الأمنية والعسكرية مع وعي شعبي بضرورة اقتلاع هذه الآفة من البلاد..
هذا هو السر الأساسي في ملحمة بن قردان وهذا ما جعل الأحداث لا تأخذ منحى آخر كما حصل في أماكن أخرى من عالمنا العربي ..

ولكننا لم نتمكن من تكرار لحظة بن قردان في حروبنا الأخرى عندما يلبس العدو لبوس الفقر والتهميش والجهل وضعف العمل وشبه انعدام التضامن ..
في كل حروبنا الأخرى نحتاج لروح بن قردان ولتلك اللحمة والحماية المتبادلة لننجح اقتصاديا واجتماعيا ..

في بن قردان تصرفنا كدولة بأعمق ما في الكلمة من معنى أي روح جماعية سارية وإرادة عامة وتصميم مشترك ،أما في غيرها من المعارك فنتصرف كقبائل تتناحر على الفتات ولا تتعاون على الخير المشترك ..

لقد مثلت بن قردان منعرجا وطنيا وإقليميا وحتى عالميا في الحرب ضد الإرهاب ففيها كسرت شوكة داعش قبل أن تكسر في العراق وسوريا وفيها تحولت موازين القوى بصفة جوهرية ونهائية لصالح تونس دون أن يعني ذلك أننا في مأمن من عملية إرهابية جبانة هنا أو هناك ..
ولكن كم نحتاج اليوم إلى روح بن قردان وتصميم بن قردان لخوض بقية المعارك التي تنتظر البلاد..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499