أمام تواصل تدهور المناخ العام: هل سيتدخّل رئيس الجمهورية ؟

رغم طغيان الحديث عن انتهاء مرحلة تقبّل القائمات المترشحة للانتخابات البلدية والارتياح بنتائج مسارها العام ،

ما تزال ملامح الوضع العام بتونس تتّسم بعدم الاستقرار الاجتماعي الّتي برزت في العديد من الإضرابات والاحتجاجات في أوساط الجامعيين والتربية و التعليم و الأطباء الشبّان و قطاع المناجم والاتصال السمعي البصري ، مع ارتفاع أصوات من طرفين داعمين لحكومة الوحدة الوطنية الإتحاد العام التونسي للشغل و إتحاد الصناعة والتجارة و الصناعات التقليدية ، معبّرة عن الانشغال ممّا يحصل من تردّي الأوضاع الاقتصادية و انعكاساتها على النشاط الاقتصادي و على الحياة العامّة.

هذا الانشغال كان محور لقاء نور الدين الطبوبي الأمين العام للاتحاد العام التونسي للشعل في نهاية الأسبوع المنصرم برئيس الجمهورية بقصر قرطاج ، الّذي أكّد أن اللّقاء تناول الوضع العام في البلاد وأساسا القضايا الاجتماعية والاقتصادية، « و التأكيد على ضرورة تحديد أولويّات المرحلة القادمة للنهوض بأوضاع البلاد وإعطاء إشارات إيجابية فيما يخص كبرى القضايا التي تشغل بال التونسيين كدفع نسق التنمية والتخفيض من نسبة البطالة وتحسين المنظومة التربويّة والمنظومة الصحّية، وهو ما يستوجب تكاتف جهود الجميع لإيجاد الحلول والبدائل الناجعة».

هذه الإشارات الواضحة لم يصدر بخصوصها أي رد فعل من رئاسة الجمهورية ، إذ اكتفى موقع رئاسة الجمهورية بشبكة التواصل الإجتماعي بنقل الخبر و تصريح الأمين العام للمركزية النقابية . و يمكن أن يفسّر هذا الصمت ، بانكباب رئاسة الجمهورية على دراسة المستجدّات و إعداد رد مناسب على الأحداث الأخيرة قد تكون في قالب إجراءات أو تحويرات جديدة ، بعد التسليم بعدم توصّل الحكومة إلى إيجاد الحلول المناسبة.

لقد بدا من الضروري القيام بتعديلات تقوّم المسار السياسي و الإقتصادي، و ما يقتضي ذلك من تحويرات ، بعد التعثر الّذي عرفته تجربة حكومة «الوحدة الوطنية» وما لحق ذلك من محاولات ترميم و رتق غير مجدية.

هذه الضرورة فرضها تكاثر الاحتجاجات ،و الانتقادات في معالجة العديد من الملفات المتعلّقة بالمؤسسات العمومية و شبه العمومية و التصرف المالي فيها ، و مواصلة بعضها الآخر كتوسيع مجال مكافحة الفساد في كل مظاهره، والقيام بالإصلاحات اللاّزمة بعد التصنيفات الّتي وضعت فيها تونس وتسبّبها في إقالة محافظ البنك المركزي قبل تقديمه لاستقالته ، و تواصل التردّي الاقتصادي والمالي ، و خوض بعض القطاعات جملة من الإضرابات و توقف نشاط مناجم الفسفاط ومعامل إنتاجها و تكريرها .

فرئيس الجمهورية لا يمكنه أن يبقى يتابع كل ما يحصل دون أن يتدخل طبق ما يقتضيه القسم الدستوري الذي أداه ، و هو ما جعله يبرّر تدخله في أكثر من مناسبة لتعديل ما يراه مطابقا لمهامه في نطاق إحترام دستور البلاد و تشريعها . وفي هذا الإطار مارس صلاحياته، و كان وراء كل القرارات المتخذة الّتي تهم شأن البلاد، وكان ذلك بصفة مباشرة أو غير مباشرة ، و لو تمّ التصريح أحيانا بخلاف ذلك.

لذلك انتظر المتابعون للشأن السياسي في الأسابيع الأخيرة تدخلا من الباجي قائد السبسي، ولكن تأخر ذلك ، و هو ما جعل لقاء الأمين العام للمركزية النقابية برئيس الدولة محط اهتمام من المحلّلين و المتابعين للشأن السياسي ، الّذين ينتظرون أن تتبع هذا اللّقاء لقاءات تشاور أخرى من بعض ممثلي الأحزاب و المنظمات الفاعلة ، قبل الإعلان عن أي قرار .
و من المنتظر التعرّف على موقف حاسم بخصوص تعطيل نشاط المنشآت العمومية الإستراتيجية و معالجة أوضاعها ، و إدارة وتسيير بعض المصالح العمومية ذات الارتباط باقتصاد البلاد و سمعة تونس واتخاذ القرارات المناسبة و الحاسمة في بعض المسائل ذات الأولوية ، لأن الأوضاع لم تعد تحتمل تكرار الهفوات و التراخي في معالجة الملفات الّتي يخشى من تعفّنها .

و لا شك أن أداء بعض الوزراء و كبار المسؤولين على بعض المنشآت الهامة يبقى محل نظر ، لأن التعثر في أي مجال من المجالات يحسب على الساهرين على هذا القطاع أو ذاك ، ويبقى المكان للأفضل في البذل والعطاء و ليس في الطاعة و الولاء .
إن المنعرج المقبل الّذي يهم الشأن العام على غاية كبيرة من الأهمية في تقرير مصير الاستحقاقات المستقبلية ،و كذلك في تمكين البلاد من الخروج من المأزق الّذي يعيش فيه اقتصادها ، و هو ما يقتضي التعويل على إستراتيجية واضحة تديرها كفاءات مستوعبة لمتطلبات المرحلة ، والإستعجال في معالجة الأهم قبل المهم للحد من التدهور و تجنيب البلاد المنزلقات الخطيرة .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499