على هامش زيارة ماكرون لتونس: التقاء الدبلوماسية الاقتصادية بالهواجس السياسية والأمنية

زيارة الدولة الّتي أداها الرئيس الفرنسي ماكرون إلى تونس الأسبوع الماضي كانت زيارة الدبلوماسية السياسية والإقتصادية

و الهواجس الأمنية بامتياز بالنسبة لفرنسا و فرصة الدعاية الدبلوماسية و السياسية لتونس .

ففرنسا الّتي خسرت في السنوات الأخيرة العديد من مواقعها و تأثيرها في الوضع الدولي بسبب انسياقها وراء خيارات أمريكية غير مربحة ، مّما جعلها تجني عداوات مجانية تجاه العديد من الدول و تترك المجال في الفضاء الأوربي لشقيقتها ألمانيا ، و لأمريكا في الشرق الأوسط،. كما أنها تعيش صعوبات إقتصادية في الفضاء الأوربي وفي فضائها الخاص بسبب تفاقم البطالة و ما يخلقه من توتر اجتماعي . فضلا على هذا تخيم المخاطر الإرهابية على أغلب الدول الأوربية ، لذلك تسعى فرنسا إلى دعم المجهود الدولي للتحسب من هذا المخاطر . كل هذا جعل الرئيس الشاب ماكرون يتحرّك على عدّة واجهات لتحسين أوضاع بلاده،و لإعادة إشعاعها، ومن حلقاتها إعادة الإعتبار للدبلوماسية الفرنسية على المستويين السياسي و الإقتصادي ،تنفيذا لما وعد به ناخبيه.

ومن الحلقات الهامة لإعادة الاعتبار لهذه الدبلوماسية فضاء شمال إفريقيا و المغرب العربي و الّتي تشكل فيها تونس حلقة إستراتيجية لانفتاحها على مختلف الفضاءات الحيوية . تونس ذات الموقع الإستراتيجي أمنيا و إقتصاديا و الّتي يمكن أن تكون حلقة تواصل شمال جنوب لو تمّ تنشيطها بالكيفية الّتي كانت عليها الدبلوماسية التونسية في الستينات والسبعينات .
لذلك سعى ماكرون إلى إبراز «عقدة الذنب» تجاه ليبيا ، وأواصر «الأخوة» تجاه تونس ، ليعلن نواياه في التكفير عن ذنبه للعمل على إيجاد حل في ليبيا باجراء انتخابات ديمقراطية فيها ، و بدعم الديمقراطية الفتية في تونس لإنجاح تجربتها كمثال يحتذى في الدول العربية.

و في المقابل وجدت تونس في إعلان النوايا الفرنسية ، فرصة للتسويق للصورة الّتي يمكن أن تساعدها على إسترجاع ثقة الفرنسيين في الإستثمار في تونس ،و بيان سلامة مناخها و أوضاعها كوجهة آمنة للسياحة ، و كذلك للتسويق لهذه الصورة في بقية الدول الأوربية. و قد كانت صورة تجوال الرئيس الفرنسي في الأسواق التونسية و تخاطبه مباشرة في الشارع التونسي مع المواطنين ، رسالة للطمأنة ، على سلامة الأوضاع في تونس ،و للبرهنة للفرنسيين على الإمكانيات المتوفّرة لهم في تونس بتوفر إرادة دولتهم . كما أعطت هذه الزيارة فكرة لأبناء تونس في المهجر عن المناخ الاجتماعي في تونس يبدّد نزعة التشاؤم الّتي تسرّبت إليهم في السنوات الأخيرة و ربّما يعيد لهم شيئا من النخوة والإعتزاز .
بقطع النظر عن النتائج الملموسة الّتي تحقّقت من زيارة ماكرون لتونس ، فإن المهم هو ستخلاص الدروس من وقع الدبلوماسية النشيطة و المحفّزة ، والوعي بالدور الّذي يمكن أن تلعبه تونس في ظل هذه الحركية الّتي تريد أن تحدثها فرنسا في المنطقة .

ولو أن تونس لا تحتاج إلى وساطة ، كي تنتعش علاقات الجوار في الفضاء المغاربي، فإن ديناميكية الدبلوماسية الفرنسية الّتي يسعى ماكرون لإحيائها على أسس جديدة ، يمكن أن تكون حافزا لتونس و للدول المغاربية ، على الوقوف على الإمكانيات المتوفرة لديها لتنشيط التعامل فيما بينها و للتعاون في اتجاه البحث عن إمكانيات التكامل و إعداد فرص الاندماج . كما يمكن أن يكون ذلك حافزا للحكومة التونسية ، الّتي عليها أن تؤمن بقدراتها ، للتفكير بكل جدية في دبلوماسيتها الإقتصادية تجاه الدول الإفريقية ، مع الإسراع في تحركّها لتنشيط علاقاتها مع الفضاء الإفريقي الّذي يمكن أن يوفر إمكانيات كبيرة للتعاون و التبادل الإقتصادي في مختلف المجالات .

لقد سبق أن أكدنا على صفحات «المغرب» أن تونس خير فضاء للحوار الليبي – الليبي ، لتجاوز الأزمة الليبية ، و أن أمن ليبيا من أمن تونس ،و أن التعاون الأمني التونسي الجزائري تفرضه الحاجة المشتركة إلى الأمن والإستقرار، وأن تاريخ النضال المشترك و عوامل الجغرافيا و أواصر التقارب و الأهداف المشتركة في النمو والتقدّم الاجتماعي ، كلها عناصر ، تشجّع على مزيد دعم المجهود لمجابهة الصعوبات من أجل تحقيق المصالح المشتركة .

إن خدمة المصالح التونسية المشتركة مع فرنسا ، أمر يحتاج دوما إلى تنشيط مختلف المجالات ، على أساس علاقات الإحترام المتبادل، و أن حرص فرنسا على إستعادة دورها و مكانتها في دول شمال إفريقيا ، يجب أن يكون حافزا لدول المنطقة على تقدير أهمية دورها ومكانتها في المنظومة الإقتصادية في حوض البحر الأبيض المتوسّط ليكون التعاون و التنسيق فيما بينها، عاملا على التحاور البناء لرعاية مصالح كل الأطراف ، لغاية خلق التوازن المنشود.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499