لن أشارك ...

تتأهّب بلادنا، في هذا السياق الحرج والمتسّم بالتوتر والتأزّم، لخوض غمار الانتخابات. وهي محطات هامّة في مسار التحوّل الديمقراطي

واختبارات مهمّة لتبيّن مدى نجاح التجربة التونسية. بيد أنّ معيار نجاح التجربة يقاس بمدى إقبال التونسيين على المشاركة في الفعل السياسي: ترشحا وانتخابا واستعدادا لإحداث التغيير المنشود. ولئن كان تحفيز التونسيين على الإقبال على الانتخابات يشمل كلّ فئات المجتمع فإنّ الرهان الحقيقي يكمن في التوصّل إلى رفع نسبة مشاركة فئة الشباب إذ ليس يخفى أنّ إقبال الشابات والشبان على هذه الانتخابات يعتبر علامة على تجاوز أزمة الثقة بين الحكومة والشباب من جهة، ومقياسا على توصل الفاعلين السياسيين إلى إقناع الشبّان بضرورة الانخراط في النشاط السياسي ، من جهة أخرى.

ولكن البون بين المأمول والواقع، المنشود والممكن شاسع ...يكفي أن تحتكّ بفئات من الشبان والشابات هنا وهناك ، وأن تتحاور معهم حتى تنتبه إلى المعضلة الحقيقية. فخطاب الانتقاد المشبع بخيبة الأمل هو المهيمن ...وليست رواية التجارب التي مرّوا بها خلال السنوات الأخيرة إلاّ وسيلة لتبرير قرار مقاطعة الانتخابات.

للمشرفين على سبر الآراء أن يدققوا المعطيات والأرقام ولمعدّي الاحصاءات أن يتكهنوا بنسبة المشاركة الشبابية في الانتخابات المقبلة، وللمحللين السياسيين أن يقدّموا قراءتهم ولكن أما آن الأوان لمفارقة وضع يجوّز فيه المرء لنفسه الحديث نيابة عن الشبان ويعتبر أنّ من حقّه أن يمثلهم؟ أما آن الأوان لتمكين الشبان من امتلاك الصوت وفسح المجال أمامهم للتعبير عن آرائهم ومواقفهم من السياسة والسياسيين ؟ لم يتحاشى الوزراء الاحتكاك بالشبان والإصغاء لتجاربهم؟ لم يهاب قادة الأحزاب الاختلاط بالشبان وتمكينهم من حق الانتقاد؟ أسئلة كثيرة تطرح وتعدّ لدى أغلبهم من المسكوت عنه.
عندما تصغي إلى الشباب في دوار هيشر وحي التضامن وصفاقس وسوسة وقابس وباجة وعين دراهم وغيرها من المدن والقرى تنتبه إلى أنّ الحديث عن السياسة والسياسيين يثير مشاعر الغضب والاستياء والمرارة وخيبة الأمل... وأنّ كلمات تهيمن على الخطاب: استغلال الشباب في الحملات والدعاية والعمل على الأرض، توظيف الشبان لتصفية الحسابات بين الخصوم، عدم فسح المجال للكفاءات، التمييز، الإقصاء، النظرة الدونية ، التسّلط ،الولاءات ...ولذلك تكلّل التجربة باتخاذ قرار العزوف عن العمل السياسي ويصبح نعت الشاب بالفاعل السياسي ذا حمولة سلبية.

يعتبر أغلب الشبان أنّ المجال السياسي ليس مفتوحا أمام جميع التونسيين (بقطع النظر عن الجنس والسن والعرق والطبقة والدين...) بل هو حكر على فئة ، وهو امتياز يحقق مصالح خاصة لصاحبه أو صاحبته، وهو منّة في بعض الحالات ، في مقابل الطاعة وإسداء الخدمات ... ويرى أغلبهم أنّ فسح المجال للشبان حتى يتدربوا على الممارسة السياسية محدود نظرا إلى احتكار ‹الكبار› المواقع ورغبتهم في فرض سلطتهم. ويذهب البعض الآخر إلى أنّ العمل السياسي لا يضفي معنى على حياة الشاب/ة بل يكشف له المستور ويزيد في شعوره بالإحباط ولذلك يكون الوقوف على الربوة أسلم. أمّا بقاء بعض الشبان في الأحزاب فإنّه يفسر لدى أغلبهم على أنّه شكل من أشكال الانتهازية في انتظار الحصول على موقع ...

يفضح تمثّل الشبّان للنشاط السياسي انعدام الثقة في السياسيين ويعرّي أزمة الأخلاق، ويشير إلى استشراء كل أشكال العنف والتسلّط ، وهو مناخ سياسي-اجتماعي لا يساعد الجمعيات التي تعمل من أجل تمكين النساء والشبان سياسيا ومدنيا على إقناع هؤلاء بضرورة الإقبال على الممارسة السياسية لإحداث التغيير المنشود.

هذه عيّنة من الآراء والمواقف التي استقيناها ، ونحن على أبواب محطة انتخابية هامة لنبيّن أنّ قرار «لن أشارك» قرار قد اتخذ قَبليا... عن وعي وقناعة تامة ولا محيد عنه. فمن يثني هؤلاء الشبان والشابات عن قرارهم؟ من يمتلك بلاغة الخطاب السياسي ليقنعهم بأهمية المشاركة السياسية؟ من يستطيع محاججة هؤلاء بأنّ الغد أفضل وأنّ بإمكانهم أن يصححوا المسار؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499