بعد تشكيل «الإتحاد المدني» عودة الوعي بأهمية التجميع بدل التشتت ( ؟)

لا أحد يقلّل من مخاطر التشرذم والانقسامات بين التشكيلات الحزبية ذات التصورات والأهداف المتقاربة في

المجتمع التونسي الّذي ظهر بالكاشف أنه لا يستوعب الكم الهائل من الأحزاب السياسية الّذي تجاوز مائتي حزب فضلا على آلاف الجمعيات .

و لكن قلّما صمد التقارب بين الأحزاب في إتجاه التحالف ، أمام نوازع التفرقة والتشتّت حتى داخل الحزب الواحد ، لذلك تسترعي كل محاولة تشكيل حلف أو جبهة أو إئتلاف في الاستحقاقات الانتخابية الاهتمام و المتابعة ، لأن ذلك يحدّ من ظاهرة نفور المواطنين عموما والناخبين خاصة من المشاركة في الشأن العام وفي الشأن السياسي.

لقد تبيّن أن خيار التجميع و التكتّل هو مفتاح كسب رهان تشريك أكثر عدد ممكن من الناخبين، و الدّليل على ذلك أن نجاح نداء تونس كان بفعل التجميع رغم تباين التوجهات فيه ،و كذلك كان الأمر بالنسبة لحزب النهضة رغم اختلافات الأجنحة فيه، و بالنسبة للجبهة الشعبية رغم فوارق المرجعيات الفكرية والسياسية فيها.

تدخل هذه المعطيات في إطار تقييم العمل السياسي الصرف للأحزاب ،و لكن يختلف الأمر عندما نتناول استحقاقات الانتخابات البلدية ، الّتي رغم ما لها من تداعيات سياسية مستقبلية ، فإنها تبقى مرتبطة بالشؤون الخاصة و المحلية القريبة من المواطنين و بشأن حياتهم اليومية، ممّا يجعلها أكثر انفتاحا على مختلف الرؤى والتوجهات

و يفضي هذا إلى القول بأن الحديث عن البرامج السياسية للمشاركين في الانتخابات البلدية ،وإبراز «هالة السياسة» في غير محلّهما ، و في ذلك تحميل للاستحقاقات لأكثر ما تحتمل ، خاصّة في الفترة الرّاهنة الّتي لم يكتمل فيها التقسيم الجغرافي والإداري حسب مقتضيات الدستور .

لذلك تكتسي أول انتخابات بلدية في ظل الجمهورية الثانية ، أهمية خاصّة في مرحلة البناء، و هو ما يتطلّب جهدا كبيرا لاسترجاع اهتمام الناخبين بالعمل البلدي، و تحسيسه بأهمية دوره في تغيير ظروف عيشه ، وبالإمكانيات الّتي ستتاح له لتحسين منطقته .

لذلك أشرت في افتتاحية الأحد الماضي إلى أنه حسب المنطق الحسابي المجرّد من كل الاعتبارات السياسية، لا شيء يمنع، أن تتشكل جبهة انتخابية واسعة تضم كل الأحزاب الديمقراطية والحداثية.... واعتبرت أن التحالفات المعلنة إلى اليوم قد تغيّر الخارطة الانتخابية إذا تمّ التوصل إلى إقناع الناخبين بالمشاركة في الانتخابات.

من هنا تأتي أهمية مبادرة تشكيل «الاتحاد المدني» لخوض انتخاب البلديات في ماي المقبل، وهي مبادرة يمكن أن تكون لبنة في تغيير منطق التعامل بين الأحزاب ،و الّتي سيكون لنجاحها أثر بالغ في الاستحقاقات القادمة .

إن القبول بالعمل المشترك للمشاركة في الانتخابات يمكن أن يكون عملا مغيرّا للخارطة الانتخابية و حافزا لـ«لمّ شمل» التشكيلات والكيانات ذات التوجهات المتقاربة ، على شرط أن تتوصّل الأحزاب المتحالفة إلى الالتحام بالشارع و النفاذ إلى هواجسه ، و إقناعه بالمشاركة في تنظيم الشؤون المحلية و حسن التصرّف في الموارد المتوفّرة .

إن الرؤية الجديدة في تنظيم و إدارة الشؤون المحلية و الجهوية و الاقليمية كما نظمها الدستور ، تختلف عن النظرة التقليدية القديمة ، لذلك تكون الأحزاب السياسية مدعوة إلى تغيير نظرتها إلى هذا الشأن ، الّذي بقى مُحقّرا و لا يُحظى باهتمام النخب ، رغم قربه من المواطن و تأثيره على اختياراته الانتخابية .

إن الالتصاق بشؤون المواطن و حيازة رضائه على الخدمات البلدية و حسن تشريكه في المجهود المبذول ، هو الكفيل باسترجاع ثقته في المتكفلين بالشأن العام ، و في جدوى العمل المنظم ، ومنه في المشاركة في الشأن السياسي ،الّذي ما فتئ يتقلّص ، إلى أن أصبح العزوف ظاهرة مستفحلة .

إن طبيعة الشأن البلدي تتيح إمكانيات واسعة للعمل المشترك على أساس إنجاز برامج محدودة في نطاق محلّي لتوفير المتطلبات المادية لحاجيات كل المواطنين ، و وعي الأحزاب السياسية بهذه الخاصية ، تجعلهم في الحقيقة غير متردّدين في خوض الانتخابات البلدية ضمن قائمات مشتركة.

هذه القائمات المشتركة ممكنة إذا توفّرت الإرادة ، كما هو الحال بالنسبة للإتحاد المدني الّذي يمكن أن يضم عددا كبيرا من التشكيلات ، بما في ذلك مكونات الجبهة الشعبية ، الّتي لن تستفيد من مواصلة «التقوقع» المبني على الاعتبارات الاديولوجية والسياسية . كما يمكن أن يضم المستقلين الذين لهم إشعاع في مختلف الدوائر البلدية و أطراف من مكونات المجتمع المدني، وهو ما يتطلب دراية واسعة بالخارطة الانتخابية وقدرة على التواصل و الانفتاح على كل أصحاب النوايا الصادقة الراغبة في الإسهام في إنجاح العمل البلدي.

فالاتحاد المدني المتكوّن حاليا من أحد عشر حزبا وهي آفاق تونس و الحزب الجمهوري والمسار الديمقراطي و البديل و الحركة الديمقراطية و حزب العمل الوطني الديمقراطي و اللّقاء الديمقراطي و حزب المبادرة و حزب المستقبل و حزب تونس أوّلا ، سيكون أمام امتحان ،تنظيم عمله و التجنّد بصفة جادة وفاعلة لتشريك واسع للناخبين ، و تشكيل قائمات تضبط على أساس إشعاع المترشحين و ليس على أساس حسابات اقتسام المواقع ، لأن الغاية ،هي ضمان متطلبات الفوز للأطراف المنضوية تحت رايته وليس لفوز أطراف منه.

إن نجاح هذه المبادرة تعني نجاح الأطراف المشاركة ، في تغيير عقلية المترشحين والناخبين في نفس الوقت ، و هو ما قد يفتح الباب للتشجيع على التكتل من أجل أهداف موضوعية ، بدل التشتّت والتشرذم لأسباب و اعتبارات ،أغلبها ، ضيّقة وذاتية.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499