في تحديد هويّة المعارض

لا يكاد يخلو أي نظام سياسي من وجود فئة تمثل المعارضة بقطع النظر عن أهميتها ونجاعة نشاطها.، ويكمن دورها في المراقبة والانتقاد وعرض البدائل وفضح المستور وممارسة الضغط... وتؤكد العلوم السياسية على وجود وشائج متينة بين مفهوم المعارضة من

جهة، ومفهومي نظام الحكم والسلطة، من جهة أخرى. فبدون المعارضة السياسية النشطة لا يمكن توطين الديمقراطية التشاركية وترسيخ تقاليد الحوار وتعددية الرأي وعلى هذا الأساس فإنّ وجود المعارضة ضروريّ في الحياة السياسية.

ولئن ارتبط مفهوم المعارضة في أذهان الناس بالمواجهة والمقابلة والمخالفة والتنافس من أجل السلطة والمغالبة والتحدي وعدم الموالاة للنظام والمقاومة فإنّ تجارب الحكم الثيوقراطي أو الحكم الشمولي أو الحكم الاستبدادي منعت انبثاق معارضة قوية وحالت دون تطوير أداء الأحزاب المعارضة وجماعات الضغط حتى صار الحديث عن المعارضة الكرتونية.، والمعارضة الشكلية،والمعارضة الوهمية... وهكذا نتبيّن أنّ مفهوم المعارضة قد تغيرت دلالاته من سياق تاريخي -ثقافي إلى آخر.

والمتابع للحياة السياسية التونسية ينتبه إلى المسار الذي قطعته أحزاب المعارضة العريقة أو الناشئة في مرحلة التحوّل الديمقراطي ويدرك في ذات الوقت الهنات التي تشكو منها هذه الأحزاب لعلّ أهمّها انحسار خطابها وعدم قدرتها على التأثير في القاعدة الشعبية الموسعة. وبالإضافة إلى ما سبق يكتشف المتأمّل في التجربة السياسية تحوّل عدد من القياديين إلى معارضين داخل أحزابهم أو خارجها وهو أمر ملفت للنظر ولعلّه يتماهى مع ‘الاستثناء التونسي’. فكم من عضو ينتمي إلى حزب نداء تونس مثلا، تحوّل إلى معارض يريد فرض إرادته وتصوراته وخياراته على الآخرين معارضا بذلك النظام الداخلي والعقد السياسي الذي تأسس عليه الحزب غير مكترث بالمصالح العامة . وساهمت السياحة الحزبية بدورها في بروز شخصيات كانت في السابق موالية لحزب ما فأضحت معارضة له بعد أن تغيّر موقعها وهو أمر يجعل تحديد هوية المعارض عسيرا وتَمثُل وظيفة المعارض مختلفا من حقبة زمنية إلى أخرى.

غير أنّ الملفت للانتباه في التجربة التونسية وجود قوة معارضة لكل أشكال الإصلاح الجوهري (الحدّ من الفساد والمحسوبية والتمييز... )من داخل الائتلاف المشكّل للحكومة، أي معارضة من داخل مركز الحكم، ومن داخل بعض الهيئات النقابية و عدد من المؤسسات الحكومية وغيرها، ونجم عن ذلك تحوّل هذه القوى إلى عائق من عوائق تعطيل أداء الحكومة. ولئن تذرع ممثلو هذه القوة بمبررات مختلفة فإنّ الدفاع عن المصالح الخاصة والمواقع والامتيازات ونمط من العلاقات يظل العامل الرئيس وراء عرقلة كل مجهود يبذل من أجل تغيير الواقع. وبدل أن تناصر المعارضة القضايا العادلة وتصطف إلى جانب المنسيين والمهمشيين وتراقب عمل الحكومة باتت هذه القوى من أشدّ المتواطئين مع أنساق الهيمنة ، وعوض أن تحدث المعارضة التوازن السياسي المنشود أضحت القوى المعارضة للإصلاح معضلة كبرى. فمن هو المعارض في نهاية الأمر؟

لقد حدث انزياح في مفهوم المعارضة واتسعت مدلولاتها وتعددت مواقعها فلم تعد المعارضة قيمة أساسية في العمل السياسي تهدف إلى تقويم أداء .....

اشترك في النسخة الرقمية للمغرب ابتداء من 21 د

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499