حصيلة السنوات السبع

اليوم تمر سبع سنوات على التحوّل والذي شهدته تونس الذي سُمّي بثورة الياسمين أو ثورة الكرامة وصُنّف ببداية الربيع العربي،

وشكل بداية مرحلة جديدة لبناء ديمقراطية ناشئة عوّل الشعب عليها لتغيير أوضاعه السياسية والاجتماعية والاقتصادية

خيّر الماسكون الجدد بمصير ، تونس بعد 14 جانفي 2011 في غمرة التحفّز «الثوري» إعادة التأسيس الدستوري فتمطّط التأسيس من سنة إلى أربع سنوات، كانت كافية لتغيير العديد من سمات المجتمع وسلوكيات المواطنين وبرزت ظواهر جديدة أصبحت تتأصل يوما بعد يوم وفي هذه الفترة الحرجة عرفت البلاد صراعا كبيرا كان يهدّد بالانفجار وينبئ بالدخول في مرحلة تناحر وعنف وعاشت تهديدا حقيقيا لمؤسّسات الدولة الحديثة والمكتسبات الّتي تحقّقت للشعب ومستقبل الحريات. لقد كانت مرحلة شك وكاد التصادم أن يحدث فيها بين جماعات متشدّدة وأطراف متبنية لمشروع مجتمعي مهادن لها من جهة، وحركة تصدّي حداثية ذات سمات تونسية خاصّة، انتهت باعتماد آليات حوار مكنت من تجاوز المنعرجات الخطيرة وصياغة دستور توافقي كان مجمّعا لعدّة رؤى خاصّة، تجد فيه عدّة أنماط ومدارس ومرجعيات ولكن بدا مستجيبا لرغبة أغلب الفئات السياسية ومفتوحا على كل القراءات.

في ظل هذا الدستور وفي المرحلة التي سبقته، نشطت الأحزاب السياسية التي تجاوز عددها المائتين وتعددّت الجمعيات و تحرّر الإعلام المرئي والمسموع والمكتوب، وأصبحت شبكة التواصل الاجتماعي عنصرا فاعلا في توجيه الرأي العام، وبدت تونس في مرحلة يصعب فيها الرجوع إلى الوراء .
بهذا الدستور الجديد تم العبور «بسلام» إلى وضع دعائم الجمهورية الثانية ، التي شاءت إرادة الناخبين الّذي صمدوا أمام تجاذبات التهرئة، أن تفرز تشكيلة برلمانية مخضرمة فرضها النظام الانتخابي المصاغ على قياس القوى الفاعلة، دون أن تتوصل هذه القوى إلى تنفيذ وعودها الانتخابية .
في هذا التخضرم برزت ظاهرة التشرذم الحزبي الّتي تعمقت شيئا فشيئا لتمس كل التشكيلات تقريبا، ولم يكن ذلك ناجما عن تباين في الرؤى حول المرجعيات أو النظام السياسي أو الاختيارات والتوجهات الاقتصادية ، لأن المرجعيات تكاد تكون هي نفسها، والخيارات والبرامج المتاحة تحوم في نفس النطاق المحدود والفارق بقي في نوعية الخطاب الّذي يستعمله كل حزب لكسب الأنصار والموالين في الاستحقاقات الانتخابية.

هذا التشرذم أضعف كل الأحزاب، ونجم عن الانقسامات و ما تبعها من خطابات، مزيد نفور المواطنين و خاصة الشباب من التنظيم الحزبي، والهياكل المنظمة، كما أدى هذا إلى انغلاق الحزبين الأكثر تمثيلية على نفسيهما والاحتماء بالثنائية لضمان مسكهما للسلطتين التشريعية والتنفيذية المنبثقة عنها طبق مقتضيات التوافق، الذي أصبح همزة وصل في ممارسة الحكم واقتسام النفوذ.

لقد انعكس كل هذا على الأداء السياسي للحكومة وكذلك على أداء مجلس نواب الشعب فطال انتظار تركيز العديد من المؤسسات الدستورية و ركزت بعض المؤسسات بعد فوات الأوان أو في إطار غير محكم فاستنزفت المال والجهد دون أن تكون فاعلة في أي تغيير فعلي. وفي المقابل تعطّل تركيز بعض المؤسّسات الدستورية، وتأجلت الانتخابات البلدية أكثر من مرّة وما تزال بعض أحكام الدستور حبرا على ورق.

في هذا الإطار طغى الشأن السياسي و هاجس اقتسام النفوذ أو السعي إلى المشاركة في السلطة و نيل جزء منها، على الهاجس الاقتصادي والاجتماعي، فلم تتولّد إرادة فعلية في معالجة الأوضاع الاقتصادية في الإبان، وتسببّ إهمال الشأن الاجتماعي في تكاثر الاحتجاجات و تعطيل آليات الإنتاج والحد من فرص النمو والاستثمار .

وكان خيار التوجه إلى التداين الخيار الّذي أدخل الاقتصاد التونسي في حلقة مفرغة، انتهت به إلى البحث عن سبل تمويل خزينة الدولة بتوظيف مزيد من الضرائب والترفيع في الأسعار، وهو ما تسبّب في تبرم فئات واسعة من الشعب وفي استغلال هذا التبرّم من أطراف تعتبر نفسها متضرّرة من بعض إجراءات مجابهة الفساد و من مجابهة الإرهاب والتهريب ، إلى محاولة تأجيج الاحتجاجات والاندساس فيها للإضرار بالممتلكات العامة والخاصة وإلى محاولة مزيد إضعاف الدولة.

إن المناخ الاجتماعي المحتاج إلى نزع فتائل التبرّم و عدم الرضاء، أثرت فيه العديد من الظواهر السلبية الّتي لم يقع التصدي لها في الإبان، منها مظاهر التسيب والإفلات من العقاب والتهاون بسلطة القضاء وضعف الإعتقاد بعلويته و نفاذ كلمته، والتهاون في التصدي للتجاوزات البسيطة وغض النظر عن الرشوة والفساد البيروقراطي والاستهتار بالواجب الوظيفي والاعتداء على الملك الخاص والعام كل هذه الصغائر والكبائر شجّعت على الإجرام والاستهانة بسلطة القانون. كما أن استغلال المال الفاسد و حشره في السياسة واعتماد المحسوبية والولاءات والانتهازية، مظاهر شرّعت للتجاوز واعتبرت مسهلّة للعبور إلى مناطق النفوذ ، ممّا أعطى الانطباع بأن السياسة مبنية على هذه الظواهر السلبية.

كما ساهم ضعف الأحزاب السياسية في ضعف تأثيرها على مختلف مكونات المجتمع و انحسار دورها في التوجيه والتأطير ممّا جعلها تدور في نطاق حلقة النخب والعمل على التأثير على سلطة القرار أو المشاركة فيه، واستغلال الأحداث و المناسبات ومنابر «العراك» للتعبير عن وجودها دون النفاذ الفعلي إلى القواعد الشعبية.

رغم كل هذا فإن السنوات السبع تحققّت فيها نجاحات لا يُستهان بها، من أهمّها تجاوز التناحر الداّمي الّذي كان يتهدّد كل المجتمع ، وتوصّلت تونس بالحوار وتمسك أغلبية شعبية بمكتسبات تونس إلى اعتماد الانتخابات كآلية ديمقراطية لمسك مقاليد الحكم . كما نجحت تونس في مكافحة الإرهاب وتجنّب تغلغله، وتوصلت إلى إقرار إحترام الحريات العامة والخاصة وحرية الصحافة والتعبير. كما وضعت تونس اللبنات الأساسية لاستقلال القضاء بتركيز مجلس أعلى للقضاء منتخب، وبإقرار تركيز محكمة تراقب دستورية القوانين .كما دعمّت تونس توجهاتها بخصوص المساواة بين المرأة والرجل وتوصلت إلى المحافظة على مكتسباتها في هذا المجال ودعمها. كما سجلت تونس بعض الخطوات المحتشمة في عدّة مجالات أخرى مثل الحوكمة ومقاومة التهريب والتصدي للفساد الإداري.

ولكن ما ينتظر تونس هو كثير، تقتضيه مقومات دولة القانون والمؤسسات وإحترام قيم الجمهورية وتحقيق النمو المطلوب للخروج من الأزمة الاقتصادية التي تعيشها البلاد لتحسين المقدرة الشرائية والحد من المديونية و الإصلاح التربوي والتنمية الجهوية والحد من التفاوت بين الجهات وتحقيق العدالة الجبائية و الحد من البطالة، والمقاومة الجادة للفساد والتهريب وتوحّد القوى الديمقراطية وتوفير قدر الإمكان متطلبات العيش الكريم.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499