في منطلق مارطون تشكيل قائمات المترشحين: رهانات هندسة متطلبات الانتخابات البلدية

ضغط الزمن المتصل بموعد الإنتخابات البلدية بدأ يسري مفعوله في أوساط الأحزاب السياسية المشاركة في السلطة أو في المعارضة،

و أصبحت الخطوات والتصريحات والمواقف مصدرا للتخوف و يقرأ لها كل حساب. و يمكن إدراج   اللّقاء الّذي دعا إليه رئيس الجمهورية أول أمس الجمعة 5 جانفي الجاري، الممضين على وثيقة قرطاج ، في إطار تهيئة المناخ لهذه الإنتخابات وتوفير سبل إنجاحها و العمل على نزع الفتائل الّتي يمكن أن تعرقلها أو تشوّش عليها ،في آخر إستحقاق قبل الإنتخابات التشريعية والرئاسية لسنة 2019 .

و لو أن هذا اللّقاء كان تحت يافطة تقييم مسار «حكومة الوحدة الوطنية» فإنه كان مسكونا بهاجس ترتيب ظروف إنجاح الإنتخابات البلدية و تهيئة المناخ العام الّذي ظهرت فيه بوادر التململ في الآونة الأخيرة بسبب تداعيات قانون المالية على إرتفاع الأسعار و آثارها على المقدرة الشرائية .
إن العد التنازلي لموعد الانتخابات الّتي لا يمكن لأي حزب أن يجزم أنه استعد لها تمام الاستعداد ، سيجعل التشكيلات الحزبية و المستقلين متفرّغة لإعداد قائمات المترشحين الّتي يجب أن تقدّم في ما بين 15 و 22 فيفري 2018 أي في ظرف 39 يوما من هذا التّاريخ .

ففي هذا الأجل على المقدمين على دخول غمار الانتخابات ، إعداد ما لا يقل عن 350 قائمة أصلية و 350 قائمة تكميلية طبق شروط القانون الانتخابي الّذي يشترط التناصف والتناوب، وعدم ترشح أكثر من شخصين لهما قرابة ووجود مترشح لا يزيد سنّه عن 35 سنة يوم تقديم ترشحه من بين المترشحين الثلاثة الأوائل ، وجود مترشح من ذوي الاحتياجات الخصوصية ضمن المترشحين العشرة الأوائل حتى تمتع القائمة بالمنحة العمومية، وغيرها من الشروط.

حزب نداء تونس و حزب النهضة هما في الظاهر الأكثر استعدادا للإستجابة للشروط الانتخابية والمشاركة، و لتوفير الزاد البشري و الإمكانيات المادية ،غير أن ضيق الوقت والنزاعات الدّاخلية والنوازع الذاتية للمترشحين و حجم متطلبات المشاركة ، لا تجنبهم المصاعب، وقد شهدنا ملامح ذلك في الانتخابات التشريعية الّتي هي أقل متطلبات في عدد الدوائر الانتخابية والزاد البشري .

ولكن صعوبة الاستجابة للشروط الانتخابية للبلديات، دفعت بعض التشكيلات الحزبية إلى الحديث في الآونة الأخيرة عن قائمات إئتلافية أو أحلاف إنتخابية موسعة ،و كانت المبادرة من إئتلاف لعشرة أحزاب معارضة أعلنت عن قرارها المشاركة في الإنتخابات البلدية ، ولكن بعض القياديين في حزبي الأغلبية استقبلوا هذا الإعلان ، بالإستخفاف معتبرين أن هذه التحالفات هشّة ولن تصمد أمام أول خلاف حول أي نقطة.

غير أن ردود الفعل الأخيرة بخصوص الزيادة في الأسعار الّتي وصلت إلى حد دعوة بعض التشكيلات الحزبية إلى النزول إلى الشارع للتعبير عن رفض هذه الزيادات ، غيّر موقف الإستخفاف، و حلّ محله التخوّف . فالإلتفاف حول معارضة تداعيات توسع تطبيق مقتضيات قانون المالية ، قد يزيد في لحمة تحالف المعارضة ، بتبني موقف الشارع من الزيادات ،و إستغلال ذلك في مزيد كسب المؤيدين في الإنتخابات المقبلة ،واستمالة بعض المتردّدين أو غير الراضين في القاعدة الإنتخابية لحزب الأغلبية الأوّل نداء تونس .

رئيس الجمهورية في لقائه الأخير مع الممضين على وثيقة قرطاج ،سعى إلى محو آثار التصريحات الّتي مسّت من شأن و اعتبار الأحزاب غير الممثلة في البرلمان، و دفع نحو التخلي نهائيا عن فكرة التعويل فقط على أحزاب الأغلبية البرلمانية الّتي تبناها بعض قياديي نداء تونس و من بينهم حافظ قائد السبسي، لوقف نزيف الانسحاب من «حكومة الوحدة الوطنية» ولسد باب مساعي تغيير حكومة الشاهد و لتجنب التشويش على الإنتخابات البلدية بخلق توترات إجتماعية تكون لها إنعكسات غير محمودة .

ولكن ما يغيب عن الجميع أن رهان المشاركة الواسعة في الإنتخابات غير مضمون من أي طرف ، بسبب العزوف المتعاظم وبسبب فقدان الثقة في الطبقة السياسية الحاكمة و النخب المعارضة الّتي لم تتوصّل إلى كسب الشارع بمشاريع تجميعية مقنعة.

و لا يتوقّف الأمر على مخاوف العزوف و ضعف المشاركة ،بل المخاوف من تبعات التعقيدات الّتي جاءت بها المجلة الإنتخابية ، و الصعوبات الّتي ستطرأ في الإنتخابات البلدية لإتساع رقعتها وخصوصيات الترشح فيها ، وكذلك الخوف من تبعات زيادة الأسعار و تفاقم الأعباء الجبائية على مزاج الناخبين.

لذلك ستكون الأسابيع القادمة حاسمة في هندسة المشهد السياسي من حيث الخارطة الإنتخابية ، الّتي من الصعب تبيّن معالمها واستقراء التوجهات فيها خاصة خارج الأغلبية الحاكمة ، لسمة عامّة في كل الأحزاب تقريبا، تتمثل في غياب التقاليد الديمقراطية داخلها، وبقائها محكومة بالأهواء و الإعتبارات الذاتية ونفوذ الأشخاص و سلطتهم ، الأمر الّذي يصعب معه توقّع المواقف المستقبلية بالإعتماد على المعطيات الموضوعية .

و يبقى نجاح الإنتخابات البلدية متوقفا على مدى قدرة الأحزاب على إقناع المسجلين في القائمات الإنتخابية على أن الشأن البلدي شأن لصيق بحياتهم اليومية ،و هو منطلق محلي لمشاركتهم الفعلية في الحياة السياسية العامّة و موقع هام لتحديد ملامحها مستقبلا .

 

 

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499