إلى متى تعطيل تركيز المحكمة الدستورية؟

رغم تنصيص الدستور على أن تركيز المحكمة الدستورية يتمّ في أجل عام من تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية لسنة 2014 ، فإنه لم يتم إلى اليوم تركيز هذه المحكمة الّتي تعتبر ركيزة أساسية

في المنظومة السياسية والقانونية التونسية، و كانت مطلبا للمجتمع المدني ولأجيال من الطامحين إلى إقامة دولة القانون والمؤسسات.

فهذه المحكمة هي «هيئة قضائية مستقلّة ضامنة لعلوية الدستور وحامية للنظام الجمهوري الديمقراطي وللحقوق والحريات..» كما نص على ذلك الفصل الأول من القانون الأساسي عدد 50 لسنة 2015 المتعلق بالمحكمة الدستورية.

لذلك يعتبر التأخير في تركيزها بعد تجاوز كل العراقيل الإجرائية بإستكمال شروط وضع هياكلها ، تعطيلا في وضع إحدى الدعائم الديمقراطية ، و هو ما دفع إلى التعويل على الهيئة المؤقتة لمراقبة دستورية القوانين، الّتي كشفت عدم قدرتها على حسم الإشكاليات الّتي طُرحت أمامها ، أو التهرب من حسمها، فلجأت إلى التخلّي «قانونا» عن الحسم لرئاسة الجمهورية.

هذا التعطيل في إستكمال وضع هذه المحكمة مثله مثل التهرب من خوض الانتخابات البلدية أو وضع القانون المنظم للجماعات المحلية ، تقف وراءه رغبة في التمطيط ، للمحافظة على طريقة الحسم بغير الضوابط القانونية في تسيير الشؤون السياسية للبلاد ، واعتماد مقتضيات التوافق ، مع غض النظر عن تداعيات ذلك على مسار الديمقراطية الناشئة.

إضافة إلى ما هو مرتبط بإرادة الأطراف لا يمكن أن ننسى، خضوع تركيبة المحكمة الدستورية إلى شروط أخرى مثل «السعي إلى إحترام مبدأ التناصف «حسب عبارات القانون الأساسي، وترشيحات الكتل النيابية وترشيحات المجلس الأعلى للقضاء و رئاسة الجمهورية. و لكن إذا إكتملت هذه الشروط، فإن تعلاّت «التأجيل» أو «التمطيط» تصبح محكومة بأجندات أخرى لدى كل الأطراف الّتي

لها تأثير على تركيز هذه المؤسّسة.

لقد كانت تعلّة تعطيل وضع هذه المحكمة هو عدم استكمال هياكل المجلس الأعلى للقضاء، ولكن بعد مرو ر حوالي ستة أشهر على تجاوز هذا النقص لم يقع تركيز هذه المؤسّسة، وتحوّل الجدل إلى النظر في تفحص الترشيحات وعرضها على مجلس نواب الشعب و إخضاعها إلى «غربال» غير غربال الإستقلالية والكفاءة، بإعتبار أن القانون الأساسي لم يضع معيار الكفاءة القانونية في مادة القانون العام كمعيار وحيد لعضوية المحكمة ، بل كان مرنا في معيار الكفاءة ، ممّا فتح الباب إلى توسيع إمكانية العضوية.

إمكانية التوسع هذه أدّت إلى إمكانية المرور عبر «سراط « التوافق الّتي أصبحت مبنية أساسا على أحكام التصويت على الشخصيات المرشحة لعضوية المحكمة المنتظرة ، فانتهى الأمر إلى التوقفّ عند معضلة النصاب القانوني المطلوب في مجلس نواب الشعب بخصوص ترشيح كل عضو.

لذلك لم يعد الأمر مرتبطا بأسباب خارجة عن إرادة النوا ب ، بل أصبح تركيز المحكمة الدستورية متوقّفا على ضمان توفير أغلبية 145 صوتا لكل مرشح ، و هو ما يستدعي عقد اجتماع للجنة التوافقات بين رؤساء الكتل قبل المرور إلى الجلسة العامّة، و هي معضلة دائمة أصبحت تطرح في كل مرّة إشكالية توفير النصاب القانوني ،و هو ما انعكس سلبا على الحياة السياسية الّتي أصبحت محكومة بمحاذير حصول «مأزق» أو«تعطّل» Blocage، وهي نقطة سلبية بامتياز حتى في النظام السياسي الّذي تمّ تبنيه.

من هنا يكثر الحديث عن الأطراف المعطّلة لمسار تركيز المحكمة الدستورية و تبادل الإتهام بخصوص ذلك ، و تكثر الوعود بتحديد آجال الحسم ، دون إنجاز الموعود به، و آخرها تحديد موعد جلسة لجنة التوافقات لليوم الثلاثاء 19 ديسمبر الجاري للنظر في ملف الترشحات قبل تحديد موعد عرض الأمر على الجلسة العامة.

كل هذا يقود إلى القول بأن التهاون في تركيز هذه المؤسسّة الدستورية ، لا يخدم النظام الديمقراطي الجمهوري الّذي تم التأسيس له ، و يحرم البلاد من رقابة تشريع القوانين و من الضمانات الّتي تحول دون الزيغ عن المبادئ الّتي أقرّها الدستور في كل المجالات. و هو ما يدعو كل الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها السياسية بالكف عن تعطيل تركيز المحكمة الدستورية ، لأهمية الدور الّذي يمكن أن تضطلع به في ضمان علوية الدستور الواضع للأسس الديمقراطية والحامي للنظام الجمهوري وللحقوق و الحريات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499