كشفه تقاسم الأصوات في انتخاب رئيس هيئة الانتخابات: الغش المزودج في الاستقلالية و الوفاق.. .

كشفت نتيجة عدم حصول المترشحيْن لرئاسة الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات على الأغلبية المطلوبة (109 من الأصوات) أن الاستقلالية الّتي تُميّزُ الأعضاء المنتخبين كانت مخترقة أو مغشوشة ، لأن الانقسام في الأصوات كشف أن المعيار الّذي طغى هو معيار قرب المترشحين لتوجهين عامّيْن مختلفين.

و اذا علمنا أن حزبي الأغلبية هما نداء تونس و النهضة ، فان عدم حصول أي من المترشحيْن على الأغلبية المطلوبة يعني أن التوافق بين الحزبين انخرم بمؤازرة كل طرف للمرشح الّذي يناسبه ، و في ذلك دلالة على أن التوافق مغشوش.
هذه الحقيقة الّتي كانت منقوصة ممّا يؤيدها على أرض الواقع ، كشفت أن التوافق ليس خيارا للبحث عن التوازن السياسي ورغبة في تقاسم السلطة من أجل خير البلاد ،و انما كان مفروضا على الحزبين الأولين في انتخابات 2014 ، وكلاهما «مكره لا بطل» كما يقال.

لكن ما حصل لم يقلّل من شأن الحزبين اللذين تعتبر «تقلباتهما» من ضمن المناورات السياسية المتاحة حسب منطق السياسيين، و انّما وجّه ضربة موجعة للهيئة العليا المستقلّة للانتخابات الّتي ما انفك التونسيون «يتغنوْن» بريادتها في مجال ديمقراطية وشفافية الصناديق الانتخابية.
هذه الهيئة الّتي تزخر بالكفاءات والمكونين في مجال القوانين الانتخابية وفنيات تنظيمها ، تلقت ضربة أولى عندما استقال رئيسها شفيق صرصار ،دون أن يقدّم جوابا مقنعا عن دوافع استقالته،ودون الحاح الاعلام ومنظمات المجتمع المدني في البحث عن الأسباب الحقيقية للاستقالة الى يوم الناس هذا.

وتلقت الهيئة ضربة ثانية عندما تهافت الأعضاء على الترشح للرئاسة ، ممّا كشف أن لهذا المركز «حظوة» خاصّة، وهو ما يثير التساؤل عن النفوذ الّتي يتمتع به الرئيس في هيئة يفترض أنها تتخذ قراراتها بصورة جماعية ،و لا تحركهم أي دوافع أخرى تشكّك في استقلاليتهم .
والمؤسف أن هذا المنحى التشكيكي في استقلالية الهيئة ، أصبح يعزّز التشكيك في بقية الهيئات المستقلّة الأخرى ، و هو موقف برز في أكثر من مناسبة و تم الافصاح عنه حتى لدى السلط التنفيذية العليا أو في مجلس نواب الشعب الّذي ما فتئ يتمسّك بدوره الرقابي ، الّذي انكشفت دوافعه.

هذا الدور الرقابي ليس مبنيا على عدم ، وانمّا يستمد وجوده من النصوص التشريعية ، الّذي بدت ميالة الى التعقيد و مؤسّسة على الخوف الدّائم من الآخر ، و الدليل على ذلك أنه كان بالامكان الاكتفاء بالتصويت على جملة أعضاء الهيئة العليا للانتخابات ، وترك أمر تعيين الرئيس للأعضاء ، مع توخي المرونة في سد الشغورات و وضع آليات رقابية أخرى يمكن أن تكون قضائية ذات مميزات خاصة.

ان دوافع الحديث عن كل هذا الآن ، تكمن في التخوّف من الآتي ، خاصّة في ظل انحسار الاقبال على المشاركة في الانتخابات حتي في النخب المهنية كما حصل مثلا للمجلس الأعلى للقضاء الّذي شهد مشاركة ضعيفة في استحقاقات هذا الهيكل من أوساط القضاة والمحامين والأساتذة الجامعيين و غيرهم . و بالتّالي، فان تسرب الشك في استقلالية الهيئة العليا للانتخابات ، سيؤدّي حتما الى اتساع رقعة المستقلين من المشاركين في العمليات الانتخابية.

زد على كل ذلك ما نشهده من تمطيط في تحديد موعد الانتخابات البلدية الأكثر التصاقا بشؤون المواطنين ، الّتي كان من المفترض تحديد موعدها خلال الأسبوع المنقضي ،و لكن تعطّل ذلك بسبب تعطل انتخابات رئيس الهيئة العليا للانتخابات، و الأمر مترشح لمزيد التمطيط لهذا السبب الأخير و بسبب الجدل الحاصل حول مجلة الجماعات المحلية ، الّتي تشكل فيها صلوحيات هذه الهياكل الجديدة عقبة كبيرة لتضمنّها رهانات هامّة في مجال الحكم المحلّي و تبعاته.

من هنا تحوّلنا من تثمين نجاحات الهيئة العليا المستقلّة للانتخابات ، الى تحمّل ضريبة الاستقلالية بعد التشكيك فيها ، والدخول في سبر نوازع الرغبة في تكسير طوق المركزية ، الّتي أسّس لها الدستور وخذلها الارتجال و التردّد، و ازداد المرجل غليانا على غليان ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499