محاولات جديدة لتغيير المشهد السياسي في تونس

لا تخلو سنة منذ جانفي 2011 دون أن تأسّس أحزاب جديدة في تونس، إلى أن بلغت في جويلية الماضي بتأسيس حزب «تونس أوّلا» 206 أحزاب ، مع تبشير السيدين عبيد البريكي وزير الوظيفة العمومية السابق وأحمد نجيب الشابي مؤسّس الحزب الجمهوري و أحد المترشحين السابقين لرئاسة الجمهورية ، في نهاية الأسبوع المنصرم ، بتأسيس حزبين جديدين، الأوّل

سيكون يساريا ، والثاني سيكون حركة ديمقراطية ذات توجّه وسطي ديمقراطي إجتماعي.

هذا الكم المتزايد من الأحزاب لا يعني أن الحراك السياسي و الإجتماعي في تونس في حاجة إلى مزيد التنظم و الهيكلة لإستيعاب ما يحتويه المجتمع من توجهات و تعبيرات سياسية و فكرية ، و إنّما يكشف ببساطة عجز الحساسيات المتقاربة في البرامج والأهداف، في التوحد صُلب أقطاب أو كيانات كبرى ومنظمة قادرة على الفعل السياسي المؤثر في تنمية البلاد وتثبيت الديمقراطية الناشئة في تونس.
إن هذا التعدّد لا يعكس سمات المجتمع التونسي ولا يعبّر عن توجهات ومرجعيات النخب فيه، و إنّما يبرز سيطرة النزعات الذاتية على النخب، الّتي أصبحت كلّها توّاقة إلى الزعامة وإلى حيازة مراكز الواجهة و الوجاهة ، خاصّة بعد أن أفرزت حقبة ما بعد جانفي 2011 ، عدّة «وجوه» لا ماضي و لا تميّز سياسي لها .

كما أن الكمّ لا يعكس الفاعلية في الشأن العام، فكما يقال «واحد كألف وألف كأف» والدليل على ذلك أنه من بين حوالي مائة وثلاثين حزب شاركت في الانتخابات التشريعية الأخيرة نجد فقط حوالي 10 أحزاب ممثلة في مجلس نواب الشعب ، كما نجد العديد من الكفاءات المعترف لها بالتميز و تملك زادا نضاليا لا يستهان به لم تتوصّل إلى كسب ثقة القاعدة الانتخابية لأحكام آليات الانتخابات والنظام الانتخابي ولأسباب مختلفة أخرى.

و الظاهرة الّتي لا ينكرها أحد ، أن العديد من الأحزاب خرجت من رحم كيانات حزبية موجودة ، فحملت معها كتلا و تيارات ، دون أن تكون لها مشاريع جديدة تختلف عن تلك التي جعلتها من مؤسسي الحركة الأم. وبالتّالي لن تستوعب قواعد جديدة ، بل ستحمل جزءا من قاعدة موجودة ، بحيث لن تأخذ جزءا من التمثيلية من غير حجمها الّذي خرجت به ، ولن تغير شيئا في المشهد السياسي العام ، بل ستكتفي بإضعاف الكتلة الأم.

فالتشكيلات اليسارية بكل توصيفاتها موجودة ،و كذلك الأحزاب الّتي تتبنّى الوسطية الديمقراطية والإجتماعية و الليبرالية، ولا وجود في الحقيقة لأي مبرّر يدفع إلى إنشاء أحزاب سياسية جديدة، و لكن الإنقاسامات الّتي طرأت على بعض الأحزاب هي الّتي كانت وراء تشكيل كيانات جديدة.
ودون أن نحبط عزيمة أي تشكل حزبي جديد، يمكن القول أن التجارب السابقة لم تغيّر شيئا في المشهد السياسي ، بل قد تكون ساعدت على تقوية الثنائية الحزبية الّتي تشكّلت في المرحلة الإنتقالية و تعززت في الجمهورية الثانية ، و قد سبق لي التأكيد على أعمدة «المغرب» أن المقاربات الّتي تسعى إلى البناء بنفس «الأنقاض» و الدوران في دوائر نفس النخب و الحلقات

المقرّبة منها ، و عدم ضخ دماء جديدة ، و التعويل على التحالفات الظرفية دون أن تكون لها قاعدة قويّة ، سيكون مآلها الفشل الّذي مُنيت به تجارب سابقة لعدّة أحزاب مثلما حصل للترويكا و القطب وغيرهما.
إن الّذي قد يتغيّر هو المشاركة في ممارسة السلطة بالنسبة للتشكيلات الّتي ستقدر على الإستقطاب أو التأثير على الحراك الإجتماعي، وهو ما حصل في تشكيل الحكومات الأخيرة .

إن الأحزاب ذات التوجهات الليبرالية أو الإشتراكية أو القومية و الوسطية والإجتماعية، موجودة ، و لا فائدة ترجى من تقزيم المقزم، إلا إذا كانت الغاية استيعاب التشكيلات السابقة تحت يافطة جامعة للتوحد لتدعيم الخيار الديمقراطي ، و عند ذلك سيكون الحديث عن بناء جبهة أو قطب ديمقراطي فاعل ، وهو ما يحتاج إلى بعث هيكل سياسي جامع لكل التشكيلات والأحزاب التّي تتبنى قيم الجمهورية الحداثية غير العقائدية، يستوعب كل القوى الديمقراطية على أساس أرضية شفّافة تقدّم تصورات تنموية واقعية جديدة و خلاّقة لإنجاح التجربة التونسية و تجنيبها مخاطر التقوقع. وغير ذلك لن يخدم غير الأحزاب المتماسكة ، خاصّة إذا بقي القانون الإنتخابي على حاله والتنظيم السياسي المشوّه على نفس الشاكلة ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499