بلديات 17 ديسمبر 2017 تأكّد التأجيل و تمطّط انتظار الأجل ...

يبدو أن محرك آليات العمل البلدي  و الجماعات المحلية الّذي وضعه نواب المجلس التأسيسي ضمن الدستور ، كان أضخم من الإمكانيات الهيكلية وطاقة استيعاب أذهان الطبقة الحاكمة في تونس الحالية. لذلك بقيت تونس تدور في حلقة مفرغة منذ سنوات دون أن تتوصّل لخوض أوّل إنتخابات بلدية وللإعداد المؤسّساتي لها بالتشريع المناسب .

و لعّل أصل الصعوبة تعود إلى غياب السبل والأهداف الّتي كانت تفكّر فيها الأغلبية المسيطرة على المجلس التأسيسي (زمن الترويكا) لإرساء النظام السياسي الّذي يناسب إستراتيجيات الحكم الّذي كانت تطمح إليه ،قياسا إلى التجربتين الإيرانية والتركية اللتين كانت تهتدي بهما النهضة والدائرون في فلكها .
وقد قابل هذا التخطيط ،موقف المجتمع المدني الّذي تحفّز في مواجهة مشروع النهضة، و إستراتيجيتها و إستراتيجية حلفائها في الدّاخل والخارج ، فصمد قبل أن يستوعب مطالبه حزب نداء تونس وبقية التشكيلات الحزبية الحداثية.

لكن بقي الدستور الجديد متضمّنا لنفس التصورات سواء تعلّق الأمر بالحكم المحلّي أو بهيكلة التنظيم الجهوي صلب منظومة الأقاليم الجديدة في إطار تكريس اللاّمركزية و التدبير الحر و التشريك المباشر للمواطن في ممارسة السلطة ، وكلّها تصوّرات مستساغة و سهلة وشعبية و لكن متطلبات تحقيقها و تكريسها تحتاج إلى دولة متماسكة هيكليا و أحزاب متمرّسة وقوية.
فالأفكار الّتي كانت تحرك «المؤسّسين» وتدغدغ طموحاتهم ، سواء في تكريس مبدإ التضامن و تحقيق العدالة الإجتماعية والتنمية المستدامة والتوازن بين الجهات، أو في تخصيص نسبة من المداخيل المتأتية من الثروات الطبيعية للنهوض بالتنمية الجهوية على المستوى الوطني ، كلها تصورات «جميلة» تضمّنها الدستور ، لكنها اصطدمت منذ البداية بعراقيل سياسية تم تبريرها في البداية بالنتائج الإنتخابية و ما أملته من حلول توافقية، ثم بسبب تفكّك الحزب الأغلبي الأوّل، و كذلك بالصعوبات الإقتصادية الّتي عاشتها البلاد و الأزمات المتلاحقة ، والّتي حالت دون إنجاح أي فكرة، ولم يبق للأحزاب السياسية غير التفكير في كسب «المواقع» دون السعي لإنجاز الأهداف الّتي عددها الدستور .
من هنا تواصل الدوران في نفس الحلقات المفرغة بسبب الحسابات السياسية و التأزم الإقتصادي و ما يفرضه من أجندات،و تم ّتجاهل كل التشريعات المنتظرة ، للعمل البلدي و الجماعات المحلية و لبقية الهياكل المتصلة باللاّمركزية و الحكم المحلي.

إذن كانت اللّقمة أكبر من كل فم ، لذلك تواصل اعتماد تقاسم النفوذ في النيابات الخصوصية الّتي فشلت فشلا ذريعا في الاستجابة لانتظارات المواطنين ،فنفرتهم من العمل المنظم ، وعمّ التسيّب و الفوضى وتكدست الأوساخ و أصبح العيش الحضري في أوضاع لا تطاق.

لكن هذه الحقائق لم تدفع الماسكين بالسلطة إلى استكمال التشريعات أو إلى تعديل ما بدا غير ملائم لأوضاع اليوم ، فتمّ التسريع في فتح باب الانتخابات البلدية و الإعداد لها وتحديد موعد لها ، دون الأخذ بعين الاعتبار مدى الاستعداد لإنجاح هذه الانتخابات ودون تعميق الحوار والتشاور حول هذا الاستحقاق الهام ، رغم تعبير أغلبية التشكيلات الحزبية عن تخوّفها من هذه العملية ، الّتي اتضح أن قلّة نادرة بدت مستعدّة نسبيا لها.

توقعنا في «المغرب» تأجيل موعد الإنتخابات البلدية و قد أصبح هذا التوقّع يقينا ،بعد أن تمّ الإعلان رسميا أمس الإثنين 18 سبتمبر الجاري عن التأجيل مع تقديم الهيئة العليا المستقلة للانتخابات مقترحا في أن يكون الموعد المقبل 25 مارس 2018 ، لكن بقي هذا التاريخ مجرّد مقترح على أن تبقى الجلسة مفتوحة لمدّة 10 أيام للاجتماع مجدّدا والحسم في الموعد المنتظر .

ما انتهى إليه اجتماع الهيئة المستقلة مع بقية الأحزاب و ممثلي الرئاسة و مجلس نواب الشعب و الحكومة ، يضاعف التوقع بتعطل مسار الإعداد لهذا الاستحقاق، ويمثل مؤشرا له دلالاته لباقي مشوار المشاورات الّتي قد تزداد تمطّطا ، لعدم جاهزية كل الأطراف السياسية .

إن التأجيل الّذي فرضه «الخوف» من الاستحقاقات القادمة وعدم الثقة في القدرات الذاتية في جانب ، و الرهبة من تحمّل مسؤولية الحقبة المقبلة في مستقبل البلاد من جانب آخر،كان مرّة أخرى نتيجة التسرّع، فأساء بذلك لسمعة التجربة التونسية في مجال تنظيم الإنتخابات ، و هو «تأجيل مرّ» وسيكون أمرّ، لو واصل الرافضون للأجل القديم ، التحرك بنفس الوتيرة ، و بنفس التشرذم غير واعين بمتطلّبات الإعداد لهذه الإنتخابات ذات الأهمية الفارقة في التجربة التونسية، وغير مدركين لمتطلبات العمل السياسي الشعبي.

إن غياب حملات التحسيس وعدم «هضم» مستلزمات الإنتخابات البلدية ، ليس في إعداد قائمات المترشحين فقط ،بل في كل ما يتعلّق بالعملية الإنتخابية من تثبّت في الشروط، وإستيعاب قانون الإنتخابات وإعداد تصورات في مجلة الجماعات المحلية، والتهيؤ لإختيار الأشخاص ومعرفة مؤهلاتهم ، سيضع المقدمين على دخول غمار هذه الإنتخابات، مشتّتين ، خارج السباق. و لن تكون معركة إقناع القواعد بالمشاركة عملية سهلة ، لأن القنوط الّذي تسرّب للناس أخمد وهج الحماس للمشاركة في إدارة الشأن العام .
في الأيام القليلة القادمة ستتضح الصورة أكثر ، للتعرّف على مؤشرات ما سيسفر عنه اجتماع تحديد موعد الإنتخابات البلدية...فلننتظر ...

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499