في انتظار الحركة القضائية: ماذا تغيّر في القضاء ؟

كما يحصل بعد نهاية كل نصف صائفة تعيش العائلة القضائية على وقع انتظار نتائج الحركة القضائية الّتي يتمّ الإعلان عنها ليعرف كل قاض وجهته الجديدة .

نفس القلق ونفس توتر الانتظار و«جمراته» الذي تعيش على حرارتها عائلة كل قاض ، بإستثناء من كان «خبزه مخبوزا» .

يحصل هذا رغم أن الإعتقاد ساد بأن عهد المجلس الأعلى للقضاء سيبدّد كل المخاوف بإعتباره سيكون الهيكل المستقل الّذي سيكون شفافا ومنصفا و متطورا و ناجزا ، لأنه هو الأكثر معرفة و إطلاعا على ظروف عمل القضاة و ترتيبات حياتهم قبل افتتاح السنة القضائية الجديدة .
لا شيء تغيّر رغم أن الهدف من العطلة القضائية هو إعادة الترتيب و التنظيم والإصلاح و إعادة تهيئة الفضاءات و تجديد التجهيزات المتهرئة و توفير مستلزمات العمل الناقصة . كالعادة لا شيء يتغيّر خلال العطلة القضائية ، و هو ما جعلنا في أكثر من مناسبة ندعو إلى إلغاء هذه العطلة القضائية ، الّتي ما فتئت تتوسع عمليا بما أن كما هائلا من القضايا يقع تأجيله إلى ما بعد السنة القضائية الجارية بداية من شهر ماي من كل سنة ، و لا يكون ذلك لمنتصف شهر سبتمبر بل لمنتصف أكتوبر وبداية شهر نوفمبر في أحوال كثيرة .

نفس الإنتظارات إذن مع إضافة وقع التعيينات الجديدة في المراكز الّتي بقيت «عليا» مع «رتق» مظهرها الخارجي بإنتخابات صلب المجلس الأعلى للقضاء كانت محلّ إنتقاد وتظلم من العديد من القضاة لأنها تميّزت بحبكة نسجها حزب حركة النهضة ، فوضعها على مقاس بعض المقربين إليه أو في دائرة التحكم في بعضهم لسبب أو لآخر .
نفس إنتظار السنوات الأخيرة لتركيز محكمة دستورية كانت حلم أجيال عديدة ما يزال قائما ،و نفس القلق من الرتابة و«تطويل المشاوير» وُضعت في خانة السعي إلى مزيد ترتيب الأمور و ضبطها لكي يكون كل شيء على المقاس المأمول و هو ما أكد أن كل المعارك السابقة كانت بغاية حيازة المراكز الحسّاسة والمؤثرة و لم تكن لتحييد القضاء وإنمّا كانت لإضعافه .
لذلك عبّر العديد من القضاة عن عدم رضائهم على الطريقة الّتي تمّ إعتمادها في تقييم المسارات المهنية لبعض القضاة عند النظر في الترشحات للمراكز «السامية» و على إعتبار الحياد الفعلي لبعض الّذين تمّ تثبيت ترشحهم ، كما عادت جمعية القضاة التونسيين وعدد من القضاة للتعبير عن الإنشغال والتبرم من طريقة عمل مجلس القضاء العدلي، و ذلك بعد أن بدا أن الجميع أذعنوا للأمر الواقع .

فالتبرم و الإنشغال لم يعد تجاه سلطة تنفيذية أو إدارة متغوّلة بل تجاه المجلس الأعلى للقضاء و بالخصوص تجاه مجلس القضاء العدلي الأكثر إهتماما و بروزا في الحياة العامة بإعتباره المضطلع بالقضايا في المجال الجزائي و المدني العام و التجاري والعقاّري . و قد صدر هذا الموقف قبل الإعلان عن نتائج الحركة القضائية ، لأن الإنشغال كان بسبب طريقة العمل و النظر في الحركة على خلفية «غياب الشفافية و غياب سياسة إتصالية دنيا بالقضاة » حسب موقف المكتب التنفيذي لجمعية القضاة وكذلك بالخصوص لـ«عدم الإستماع لرؤساء المحاكم و الإقتصار على البعض منهم عدم اقرار آلية لتفعيل مبدأ المواجهة باعتباره من ضمانات استقلالية القضاة عند تقييمهم والإبقاء على أسلوب التقييم السري والأحادي دون ضمان تمكينهم من الاطلاع على التقييمات التي قدمت في شأنهم ومناقشتها..» .

كل هذا يؤكّد أن وضع القضاء غير مرشح للتحسن و أن الآليات لن تتغيّر في أدائها رغم التغيير الّذي سيمس التأجير ، و النظام القضائي التونسي يبقى دوما في حاجة إلى تغيير جذري و عميق . كما أن تواصل الحال على ما هي عليه يعيد القول بأن التصورات المتّصلة بإرساء سلطة قضائية مستقلّة لم تنضج بعد في الفكر السياسي التونسي ولا تزال محل مراهنة للتطويع ، بحيث لم يقع التوصل إلى إرساء تصوّر حول منظومة قضائية تضمن إستقلالها و تضمن في نفس الوقت نجاعتها وعدم إخلالها بالتوازن بين مختلف السلطات و ذلك بآليات قانونية تكسب قبول وثقة الجميع.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499