أمّ المعارك: إصلاح التعليم العالي

تعيـــش الجــامعة التونسية هذه الأسابيع الأخيرة على وقع صراع بين وزيــــر التعليم العالي من جهة ورؤساء الجامعات من جهة أخرى بما أجّل الانتخابات داخل المؤسسات الجامعية

وأجّل معها كذلك عقد هذه الجلسة الكبرى التي كان ينتظر منها أن تؤطر بدايات الإصلاح الضروري للتعليم العالي والبحث العلمي في بلادنا..

لا يهتم الرأي العام كثيرا بما يجري داخل أسوار الجامعة وما يعلمه فقط أن الشهادة الجامعية لم تعد المدخل الطبيعي والمميّز للحياة المهنية ما دامت نسبة البطالة عند خريجيها هي ضعف المعدل الوطني (%31,2 مقابل %15.3) وان جامعاتنا متأخرة في كل التصنيفات العالمية حتى عندما نقارنها بنظيراتها العربية والإفريقية..

منظومتنا التربوية والتكوينية من الأقسام التحضيرية إلى الدراسات العليا مرورا بالمراحل الابتدائية والثانوية والتكوين المهني لا تنتج الجودة إلا لعدد محدود جدا من بناتنا وأبنائنا هذا بالإضافة إلى تركها لنصف التونسيين اليوم خارج أسوار الجامعة لأنهم ينقطعون عن التعليم قبل الحصول على شهادة الباكالوريا ..وحتى أولئك الذين يتمكنون من اجتياز هذه العقبة الكأداء ويتحصلون على شهادات عليا فمصير نسبة هامة منهم هو البطالة ويعود ذلك لعوامل عدة أهمها عدم التلاؤم الكبير بين احتياجات سوق الشغل على حالها اليوم وأصناف الشهادات التي تمنحها جامعاتنا ...

ولكن الإشكال اكبر من ذلك بكثير لأننا نعيش حلقة مفرغة تنتج فيها الرداءة : تعليم ابتدائي وإعدادي وثانوي ضعيف لا يتحسن كثيرا على مستوى التعليم العالي فينتج مكونين (معلمين وأساتذة) مستواهم العلمي والبيداغوجي متواضع للغاية وهؤلاء يعمقون بدورهم جدلية هذه الحلقة المفرغة ..

كيف السبيل للخروج من مسلسل إنتاج الرداءة والذي لم نعد بحاجة لإتباعه لأن كل التقييمات الدولية منذ حوالي عشرين سنة تثبته بالأدلة الإحصائية الدامغة ؟!

هل نبدأ بالتعليم الابتدائي ؟ المنطق السليم يقول بان الإصلاح الجدي ينطلق من الأسس..ولكن لنصلح مستوى تلاميذ الابتدائي لابد من إحداث نقلة نوعية في مستوى المكونين أي لابد من العمل الجدي منذ الآن على تحسين مخرجات التعليم العالي لأنه الشرط الضروري – وإن لم يكن كافيا – لكي نبدأ في احتمال إقلاع جدي للمدرسة التونسية ..وما يقال عن المدرسة التونسية يمكن تعميمه على كل النشاطات الاقتصادية والإدارية للبلاد لأنها كلها تنهل من خزان التعليم العالي ..

صحيح أن الجامعة ليست منقطعة عن محيطها وهي بدورها ضحية إنتاج الرداءة على مستوى المدرسة والإدارة والمؤسسة الاقتصادية ذاتها التي بقيت في غالبيتها ضعيفة التأطير وغير مراهنة بصفة جدية على إنتاج القيمة المضافة وعلى الابتكار والتجديد..

الواضح أن إصلاح كل منظومات المجتمع التربوية والتكوينية والاقتصادية والإدارية والخدماتية لابد أن يمر ضرورة عبر إصلاح عميق لكل مؤسسات تعليمنا الجامعي ..

ولكن ما نحتاجه ليس إصلاحا جديدا أو نصوصا جميلة أو حوارا وطنيا .. ما نحتاجه على مستوى جامعاتنا هو ثورة كوبرنيكية تقلب كل المعطيات رأسا على عقب وتغير بصفة راديكالية زاوية النظر للمشاكل ولتصور الحلول لها.

ما نحتاجه هو أن نكسر الروتين المعتاد والتفكير صلب ما نعتبره اكراهات الواقع ..

من نافلة القول التأكيد على الظروف السيئة جدا للعمل داخل جل المؤسسات الجامعية للأساتذة والطلبة والإداريين والعملة إذ لا توجد مكاتب لجل الأساتذة وظروف البحث تكاد تكون منعدمة مع مكتبات في حالة رثة وغير محينة بآخر الدراسات والمجلات العلمية هذا دون الحديث عن ظروف السكن والأكلة الجامعية والنقل ..

ولكن رغم كل هذا فلدينا اليوم فرصة تاريخية تأتينا من ديمغرافية التعليم العالي..
فخلال أربع سنوات فقط تقلص عدد الطلبة في المؤسسات العمومية للتعليم العالي بـ65.802 نفرا (في السنة الجامعية 2011-2012 كان عدد الطلبة 339.611 وأصبح في السنة الجامعية 2015 - 2016 : 263817) أي تراجع عدد الطلبة في أربع سنوات فقط ب%20 وان لم نتمكن من استغلال هذا الانخفاض العددي لنغير من المعطيات النوعية للجامعة فلن ننجح في ذلك عندما يعود ضغط العدد في السنوات القادمة ..

اليوم لدينا 204 مؤسسات عمومية للتعليم العالي موزعة على كل ولايات الجمهورية من قبلي (مؤسسة واحدة ) إلى تونس العاصمة (37 مؤسسة) ولكن الواقع يقول أن هنالك ثلاثة أقطاب كبرى للتعليم العالي: في تونس الكبرى (58 مؤسسة) وولايات الساحل (36 مؤسسة) وصفاقس (20 مؤسسة ).

ولدينا اليوم 12 جامعة ترابية خمس منها في تونس الكبرى وواحدة بالشمال الغربي (جندوبة ) واثنتان بالساحل (سوسة والمنستير) وواحدة بالوسط الغربي(القيروان) وواحدة بصفاقس وواحدة بالجنوب الغربي (قفصة) والأخيرة بالجنوب الشرقي (قابس) .

وأمام هذه الخارطة الجامعية المبعثرة وأمام الظروف غير الملائمة لتعليم عال جدّي أصبحنا نجد أن جل الإطار التربوي في هذه المؤسسات يجمعون ساعات تدريسهم في يومين على الأقصى ويهجرون الجامعة بقية أيام الأسبوع بما يجعل من التعليم العالي مواصلة سيئة للتعليم الثانوي.

أم الإصلاحات إن صحت الكلمة ، هي تغيير كل هذه المعطيات جملة واحدة بالاستعاضة عن هذه الخارطة المبعثرة بخمس أو ست مدن جامعية على الأقصى تكون ثلاث منها في مواقع الثقل الحالية : تونس الكبرى والساحل وصفاقس وثلاث أخرى توزع على المناطق الغربية والجنوبية للبلاد..ونقصد بمدينة جامعة مركبا ضخما يضم ما لا يقل عن أربعين ألف طالب وبعض الآلاف من الجامعيين يكون مجهزا بكل ما تستحقه الحياة الجامعية من مرافق من إقامة واكل وترفيه وتكوين وبحث علمي ووحدات سكنية للإطار الجامعي والإداري وللزائرين ويكون فيها الأستاذ الجامعي على ذمة عمله على امتداد كامل أيام الأسبوع للتدريس والتأطير والبحث ..

وفي إطار الاستقلالية المالية والإدارية لهذه المدن الجامعية يمكن تصور تحفيز مادي وأدبي للجامعيين للعمل بها وفق هذه الشروط وان يتطور هذا التحفيز طردا مع تفوق هذه الجامعات الكبرى على مستوى البحث والنشر العلمي وان تكون في المدن الجامعية الداخلية بعض اختصاصات التميز الوطني (هندسة أو طب أو دراسات تجارية عليا ) وقد تختص واحدة منها بالدراسات الجامعية المهنية في إعادة تصور لمنظومة التكوين المهني من الإعدادي إلى الدراسات ما بعد الجامعية والأساسي هنا أن نبتعد نهائيا عن فكرة الجامعة المبعثرة جغرافيا إلى الجامعة / المدينة بكل مرافق الحياة فيها بما يجعلها ، في حد ذاتها، قطبا تنمويا لولاية أو مجموع ولايات بأسرها .. وان نسعى لهذا التجميع ما أمكن في الأقطاب الثلاثة الكبرى في تونس الكبرى والساحل وصفاقس وان نمتّع المدن الجامعية الداخلية بالتمييز الايجابي الفعلي على مستوى الشعب النبيلة والإطار التربوي والإداري كذلك ..

إصلاح كهذا يتطلب سنوات ولاشك ولكنه إصلاح سيغير من أداء كل المنظومات التربوية والإدارية والاقتصادية للبلاد وسيعيد للجامعة جاذبيتها الخاصة في مجال البحث العلمي وقد نقطع به نهائيا الحلقة المفرغة التي اعتدنا عليها في هذه العقود الأخيرة ..

الهدف المنشود هو أن نجعل النجاح والتفوق والتألق متاحا لأغلب شبابنا فالنجاح ينتج النجاح ، كما أن الفشل لا ينتج إلاّ الفشل ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499