تعيش تونس اليوم تحت وقعه: في خفايا الصراع بين يوسف الشاهد وحافظ قائد السبسي

لم يعد خافيا على أحد فتور العلاقة بين رئيس الحكومة يوسف الشاهد والمدير التنفيذي لنداء تونس والرجل القوي فيه حافظ قائد السبسي ..وقد

وصل الفتور إلى حالة من الصراع تكبر وتخفت حسب الأوضاع وتطور الأحداث..

لا شيء كان ينذر بنشوب خلاف قوي بين نجل الرئيس المتنفذ اليوم في الحزب الفائز بانتخابات 2014 ومن اختاره رئيس الجمهورية لقيادة حكومة الوحدة الوطنية منذ 11 شهرا..بل قد رأى بعضهم حينها أن إقالة الحبيب الصيد هي بمثابة ازاحة آخر عائق أمام وضع اليد بالكلية على الحكومة بواسطة قيادي ندائي شاب تربطه أواصر مصاهرة غير مباشرة مع عائلة قائد السبسي..

لقد كانت القيادة الندائية الجديدة الملتفة حول المدير التنفيذي تنتظر من صاحب القصبة «تفهما» أكبر لمطالبها خاصة عندما يتعلق الأمر بالتعيينات في الوزارات والدواوين والولاة وسائر أسلاك الدولة .ولكن ورغم فوز الندائيين بالنصيب الأوفر في جل التعيينات إلا أن ذلك لم يرض القيادة الندائية لأنها تريد أن تستشار قبل كل تعيين وأن يؤخذ برأيها ، سلبا وايجابيا، في المرشحين لمختلف هذه المناصب ..

لاشك أن هذا الخلاف هام بالنسبة لقيادة النداء ولكنه لا يفسر وحده الجفاء بين رئيس الحكومة والمدير التنفيذي للحزب والذي بلغ ذروته القصوى في الأسابيع القليلة الفارطة..

فالبعد الجوهري في هذا الصراع الخافت يتعلق ب2019 أي بالانتخابات الرئاسية القادمة وبطريقة الإعداد والاستعداد لها..

ما قلناه لا يعني بأن يوسف الشاهد وحافظ قائد السبسي سيتنافسان على تمثيل النداء في رئاسية 2019 بل في تصور استمرار النداء في السلطة مع أو بعد الرئيس المؤسس الباجي قائد السبسي ..

والإشكال هنا هو أن المدير التنفيذي لنداء تونس لا يعلم بالتفصيل ما هي مخططات صاحب القصبة وهل أنه قد «انتصب للحساب الخاص» فعلا أم لا ؟

فمخاوف أهل البحيرة (المقر المركزي لنداء تونس ) تتمحور في احتمال استعداد شخصي للمنافسة الرئاسية خارج تزكية الحزب وأطره أي خارج استراتيجية الاستمرار في السلطة التي يخطط لها حافظ قائد السبسي ورفاقه..وحجتهم في ذلك أن يوسف الشاهد قد أحاط نفسه بدائرة مضيقة من المقربين لا ينتمي أي واحد فيهم لنداء تونس بل بعضهم –فيما يعتقد– يضمر العداء لأهل البحيرة..

وقد تزامنت بداية حملة الحكومة على الفساد مع ارتفاع منسوب البرود في العلاقة بين الشاهد وقائد السبسي الابن فتفاقم التوتر إذ رأت قيادة النداء الحالية والمعززة بالمنتدبين الجدد أن هذه الحملة تستهدف بالأساس الموقع القيادي للحزب وتمريغ سمعته في الوحل وبالتالي نوعا من الانقلاب عليه مقابل إعادة تشكيل الخارطة السياسية من جديد حول رئيس الحكومة ولكي يجعل منه المرشح الطبيعي والوحيد لانتخابات 2019..

نحن هنا ، كما أسلفنا،أمام تخمينات وتحاليل تعوزها المعلومة الدقيقة إذ لم يعبر يوسف الشاهد لا في العلن ولا حتى في مجالسه الخاصة عن نية معينة للترشح لرئاسية 2019 أو لغيرها .. فالرجل يقول لجميع محاوريه ، وحتى عندما يكون بينه وبين نفسه ،أنّه لا يفكر إلاّ في إنجاح عمل حكومة «الوحدة الوطنية» وانه لا يملك الوقت ولا الطاقة ولا الجهد للتفكير في أي مشروع سياسي شخصي ..وأنه لا يمكن التشكيك في وفائه لرئيس الجمهورية ولا يخطط البتة للانقلاب على نداء تونس ..

وقد حرص الشاهد على إطفاء الفتيل منذ مدة ولكن حافظ قائد السبسي قد اعترض على ذلك واعتبر أن الشرخ الذي أحدثه الشاهد لم يعد بالإمكان رتقه ،بل ذهب به الأمر إلى أن طلب من حليفه الاستراتيجي الجديد أن تكون إقالة الشاهد على طاولة الحوار مباشرة اثر عودته من بيكين في بداية شهر رمضان المنصرم – ولكن «أهل الخير» كما يقال سعوا كثيرا للتقريب – ولو شكليا – بين الرجلين لان اندلاع الأزمة بينهما قد يهدد منظومة الحكم بأسرها اليوم ..

ويبدو كذلك أن عمليات سبر الآراء الأخيرة والتي أعطت تقدما واضحا للنداء في نوايا التصويت قد هدأت قليلا من روع أهل البحيرة وخفضت من منسوب توجسهم من يوسف الشاهد إذ لم يكن صعود نجمه القوي على حسابهم بل استفادوا ،هم كذلك ، من شعبية رئيس الحكومة الطارئة بحكم الحملة على الفساد ..
ولكن هذه الهدنة النسبية – بعد تدخل شخصيات من الوزن الثقيل – لا تعني نهاية الأزمة لأن أسباب الصراع مازالت قائمة:

الحلقة الضيقة المقربة من يوسف الشاهد وعدم إذعانه لطلبات قيادة النداء في التعيينات في مختلف وظائف الدولة من الوزارة إلى العمادة..

وما لا نعلمه إلى حد اليوم هو هل أن يوسف الشاهد مستعد لتقديم بعض القرابين على نصب تقاربه النسبي مع المدير التنفيذي أم لا ؟ وهل سيحصل ذلك بمناسبة التحوير الوزاري المرتقب ؟ أم سيسعى صاحب القصبة إلى تحصين حكومته من كل اختراق جديد ؟

الإشكال ، كل الإشكال ، في أن 2019 قريب وبعيد في نفس الوقت ..وأن مستقبل نداء تونس الحالي سيلعب حينها بصفة جوهرية وأن الفرضيات ليست كثيرة فإما عهدة ثانية للباجي قائد السبسي أو انفراط الأمر تحت أقدام المدير التنفيذي وجماعته ..

ويبدو أن رئيس الجمهورية الذي وعد بعدم الترشح لولاية ثانية لم يحسم الأمر بعد..وهو لن يحسمه على كل حال قبل بداية سنة 2019.. وخلال هذه السنة ونصف السنة يمكن أن تحدث متغيرات جديدة قد تقوي حكومة الشاهد أو تضعفها ..فلا أحد يمكنه أن يتوقع الحالة النفسية والسياسية لتونس في بدايات سنة 2019.. كما لا احد يعلم اليوم الحدود التي ستقف عندها حملة مكافحة الفساد وهل ستطال كل « أصدقاء» شفيق جراية ام لا ؟

مقابلة «مغلقة» كما يقال في لغة الرياضة لا يريد فيها كل طرف ان يفصح عن نواياه الحقيقية ولا ان يلعب اوراقه الأساسية منذ البداية ..مقابلة سيكون فيها للزمن دور الحكم ..زمن السيلان الابدي حيث لا يكون بالضرورة البقاء للأصلح..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499