رهان تغيير العقليات في القضاء

بالرغم من أن تونس على قاب قوسين أو أدنى من تركيز هياكل دائمة للمجلس الأعلى للقضاء، تطلع إلى تركيز هيكل المحكمة الدستورية في أقرب الآجال ، فإن الضبابية الّتي عرفها القضاء منذ جانفي 2011 لا تزال تغشي الساحة القضائية رغم أن كل الأمور تبدو في الظاهرسائرة على أحسن ما يرام.

ونشهد هذه الضبابية على كل المستويات، إلى درجة أن نفس «الجسد» أي السلطة القضائية لها أعضاء أو أطراف تتحرّك دون أي تناسق، حتى صحّ القول بأن «القضاة إتفقوا على ألاّ يتفقوا» و هو ما أصبح يترددّ في الأوساط العامّة و نشهد تجلياته في تنفيذ القرارات الصادرة عن الجمعية التونسية للقضاة بخصوص التقيّد بتنفيذ الإضرابات أو بقية القرارات المتعلّقة بتأجيل الجلسات على إلى بداية السنة القضائية القادمة.

وما زاد الطّين بلّة إعلان أحد أعضاء المجلس الأعلى للقضاء أن حوالي 20 عضوا من أعضاء المجلس الأعلى للقضاء يفكرون جديا في تعليق أشغال المجلس وعدم البت في ترشيحات المحكمة الدستورية وذلك إلى حين توفير الظروف الملائمة للعمل ومقر يليق بالسلطة القضائية.

ولو أن هذا التصريح أشار إلى حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد ، غير أن التلويح بتعليق أشغال المجلس قبل أن تكتمل هيكلته ،تكشف حالة الإحباط الّتي أصابت العديد من النشيطين في مؤسسّاتنا ،إذ لا يستساغ أن تعلّق سلطة مستقلّة سلطتها بسبب عجزها عن حل إشكاليات لوجستية يُفترضُ أنّه وقع الإعداد لها منذ إصدار القانون الأساسي المنظم لهذا الهيكل في مستهل سنة 2016.

ولكن حتى لا تبقى اللّوحة سوداء ، لا بد من الإشارة إلى أنّه لأول مرّة أجمع ممثلو الهياكل المهنية للقضاء ،إثر لقاءاتهم برئيس الحكومة منذ يومين على الأجواء الطيبة الّتي دارت فيها هذه اللّقاءات و «نوّهوا بما وجدوه من تفاعل وتجاوب حيال كلّ المسائل والملفات المطروحة، والتعهّد بفضّها بعد النظر فيها ودراستها في آجال معقولة ومن بينها تحسين الظروف المادية للقضاة. وما يمكن تسجيله حسب بلاغ رئاسة الحكومة ، أنه تمّ تدارس الدور الهامّ للقضاء في مكافحة الفساد والإمكانات المستوجبة على مستوى القطب الإقتصادي والمالي اللوجستي والموارد البشريّة والإمكانيّات الفنيّة، إلى جانب مواضيع تخصّ النزاعات الإنتخابية والرقابة على الحملات الإنتخابيّة من قبل دائرة المحاسبات ضمانا لنزاهة هذه المواعيد وتجنبا لجرائم الفساد المالي.

وتفاعلا مع هذه اللّقاءات و مع ما إعتبرته جمعية القضاة التونسيين «توجهات إيجابية» قررت هذه الأخيرة في بلاغ لها يوم الاربعاء 21 جوان الجاري ، «تعليق التحرك المتمثل في تأخير القضايا على حالتها إلى السنة القضائية المقبلة، وذلك إبتداء من الخميس الماضي، مع مواصلة متابعة ملف تحسين الوضع المادي للقضاة، وظروف العمل بالمحاكم، والاقتطاعات من مرتبات القضاة عن كثب.

هذه البوادر إن توصّلت إلى تبديد بعض سحب سوء التفاهم ، مهّمة من المنظار السياسي، ولكن الأهم أن تحصل النقلة النوعية في العقول الّتي يجب أن تعتقد حقا في إرساء سلطة قضائية فعلية، مستقلّة ومحايدة تتبنى فعلا قيم العدل والإنصاف ، ومتحمّسة لإرساء دولة القانون والمؤسّسات، فمهمة القضاء جسيمة لمقاومة الفساد المالي و الفساد الإجتماعي وصيانة الحقوق والحريات وإحترام مقومات الدولة ومؤسساتها .

إن ما يشهده القضاء ، بسبب تصرّفات بعض القضاة في تناول الملفات والبت فيها لا يمت أحيانا بأي صلة للإجتهاد الّذي لا يعني الحكم حسب الأهواء بل يقصد منه إعمال العقل في التأويل والتفسير طبق قواعد علمية و فنية محدّدة، حصر أغلبها القانون .
ولو أن التفريق بين الإجتهاد القانوني البحت ، و الإجتهاد الموجه ليس أمرا هيّنا ، فإنّ التحرّي و التثبت في الملفات ،يمكّنان من كشف كل الحقائق ، لذلك لا بد من وضع آليات جديدة أكثر نجاعة لمحاربة الفساد في القضاء و في الإدارة القضائية ، مع الحرص على التكوين وفرض الكفاءة ، الّتي يتسبّب النقص فيها، في كوارث في حق الأشخاص والأموال أحيانا.

فالقضاء مسؤولية، وتحتاج هذه المسؤولية إلى مزيد تحديد ضوابطها و نطاقها ،كي لا يستهان بها ، و حتى لا يعتقد البعض أنهم قادرون على التنصل منها والإفلات من العقاب، بدعوى التحصن بالإجتهاد.
لذلك يمكن القول أن إصلاح القضاء وإسترجاع القضاء لهيبته لا يتوقف فقط على الترفيع في الموارد البشرية و المالية ، و وضع إمكانيات جديدة ، بل يتطلب أساسا تغيير العقليات و حفز الهمم لمزيد العمل بنزاهة وحياد و إقتدار .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499