رهانات سياسة الصرامة و النصح في خطاب قائد السبسي: محاولة لإعادة الترميم والبناء ؟

قبل انتخابات 2014 يذكر المتابعون للشأن السياسي في تونس ، أن أكثر الشعارات الّتي برزت تمثّلت في «تحصين الثورة» و«عدم الإقصاء» و«الحداثة» وتشبث آنذاك معارضو خط قائد السبسي بمخرجات تحصين الثورة و إقصاء من أسموهم بـ«أزلام النظام السّابق»،

وفي المقابل ركّز الموالون لخط هذا الأخير على عدم الإقصاء الّذي كان يستهدف شخص قائد السبسي نفسه ، وعلى الحادثة الّتي جمعّت كل المدافعين عن الدولة المدنية ومكاسبها والمتمثلة أساسا في حقوق المرأة.

والخطاب الّذي ألقاه الباجي قائد السبسي يوم 10 ماي 2017 والّذي اعتبره مؤيدوه منطلق مرحلة فارقة جديدة هو خطاب سياسي بإمتياز لأنّه بدا في الظاهر غير مبدّد لمخاوف الرأي العام و غير مستجيب لانتظارات النخب السياسية، ولكّنه تضمّن بين لهجة الصرامة والنصح ، ما لا يقل عن ثلاث رهانات سياسية هامّة يُبطن كل واحد منها برنامجا للإستحقاقات القادمة.

الرهان الأوّل يتمثّل في مبادرة المصالحة الإقتصادية الّتي أثارت زوبعة في المشهد العام بالرغم من أنها لا تشكل غير محور غير مفصلي في المقاربة السياسية للمرحلة المقبلة.

فموضوع «المصالحة الإقتصادية» سيدفع معارضي مشروع قائد السبسي إلى ركوب موجة التصدّي له، وجعله معركة «مصيرية» لهم ، بدفعهم إلى الرجوع إلى «شرعية الشارع» الّتي تمّ التجنّد لها أمس في شارع بورقيبة بالعاصمة ، و بالعمل على «التجميع» حولها ، و لكن لن يِؤثر ذلك في تقديرنا على المكاسب السياسية الّتي تمّ الرسم إلى تحقيقها لفائدة مؤيدي مبادرة الرئيس ، سواء مرّ المشروع أو لم يمرّ . والدليل على ذلك أن صاحب المبادرة لم يتزحزح عن موقفه رغم «هالة» المعارضة الكبيرة من عدد من الأحزاب و المنظمات الّتي سارعت إلى مختلف المنابر للرفع في سقف معارضتها للمشروع، مراهنة بشدّة على نتيجة هذا «التحدّي» و هي لا تدرك بأنها تحشر نفسها في زاوية خطيرة قد تسبّب لها خسارة سياسية كبيرة رغم هالة الإحتجاج عنها. و لا يمكن أن نتصوّر أن رئيس الجمهورية غير مدرك لنتائج موقفه الحازم ، و أن داعمي المبادرة أو الحذرين من إتخاذ موقف صريح بشأنها مصابون بالغباء السياسي».

بل يمكن القول أنه لا يخفى على رئيس الدولة ضيق آفاق المبادرة إقتصاديا ،و لكنه يدرك أهمية طرحها سياسيا ، لإسترجاع «المبادرة» (مع الأنفاس) لخوض إنطلاقة جديدة سيعوّل فيها على آليات الإدارة القديمة والجديدة على حد سواء ، وعلى أهم الفاعلين في العجلة الإقتصادية . و هذا التمشي شبيه بالتمشي الّذي خاضه قائد السبسي عند رفعه للشعار «لا للإقصاء» و بقى يراوغ به إلى أن كسبه في نهاية الأمر وغيرّ بواسطته سمات المشهد السياسي.

الرهان الثاني الّذي عوّل عليه رئيس الدولة ، هو رهان تأمين الإنتاج في الطاقة والمناجم أساسا ولكن من ورائها كل مجالات الإنتاج و مختلف الأنشطة الإقتصادية ، بالتعويل على الجيش الوطني في الحد من تعطيل محركات العمل والتنمية ، كبر شانها أو صغُر،و بالتالي تمكين الدولة من إسترجاع سلطتها. هذه الخطوة الحاسمة ، الّتي اعتبرها البعض متأخّرة، قدّم قائد السبسي ما يُبرّرها، وإعتبرها الحجر الزاوية لتحريك عجلة التنمية الّتي كان تعطيلها سببا في تسجيل خسارة فادحة في الإنتاج و في السوق المحلية والدولية .

اللّجوء إلى هذا الحل لتأمين الإنتاج ، يختلف عن الرهان الأول في كونه لا يلقى نفس المعارضة، بل يجد من يدعمه من القوى الفاعلة في المجتمع المدني من الإتحاد العام التونسي أو من منظمة الأعراف ومن عدد من الأحزاب أو من الدوائر المالية الدولية والمستثمرين أو الّذين لهم نوايا للإستثمار في الداخل و من الخارج.

و ما يزيد هذا الخيار تقبّلا سبق إعتماد الجيش التونسي في تأمين المؤسّسات و نجاحه في مهامه، وكذلك تدخله في الماضي و الحاضر في دعم مجهودات الأمن و حتى في إنجاز المشاريع و مواجهة الجوائح الطبيعية عندما لزم الأمر ذلك . و هذا الدور للجيش يقع اللّجوء إليه في كل الدول الديمقراطية لتأمين مهام تقتضيها الظروف أو الأخطار الدّاهمة، دون مس من الحريات أو الحقوق العامة والفردية.

الرهان السياسي الثالث يتمثل في تأكيد رئيس الدولة على الإحتكام لصناديق الإنتخابات وهو من مقتضيات اللّعبة الديمقراطية الّتي أصبحت مهدّدة حزب قول قائد السبسي ، بسبب محاولة فسخ أحكام صناديق الإنتخابات وفرض أمر واقع جديد . وهذا القول الّذي تمّ تكراره في أكثر من مرّة هو رسالة واضحة للجميع ،و هي موجعة للّذين إعتبرهم فشلوا في الإستحقاقات السّابقة ،و مشجعة الّذين دخلوا غمار التجربة الحزبية و بليغة لأبناء الحزب الّذي أسّسه ،و هي أيضا ردّ على الّذين يتهمونه بالتوريث . و ليست هذه هي المرّة الأولى الّتي يثير فيها قائد السبسي هذه النقطة الاخيرة، و لكن حرص على تكرارها ، لإعادة الدفع داخل حزبه الّذي يسوءه القول عنه بأنه إنتهى ، و هي محاولة أخيرة للمّ الشتات و لشحذ عزائم الممسكين بهياكل هذا الحزب ،الّذين يحاولون منذ مدّة التحرك على مستوى القواعد الشعبية لإعادة التعبئة بأساليب قديمة جديدة .

كل هذه الرهانات تصب في خانة محاولة إعطاء دفع جديد للخطاب السياسي، وتحميله مضامين الخطّ الّذي يريد قائد السبسي تسيير الدولة على هديه ، و إعادة الدفع على أساسه ،و هو ما يفسّر قول المدافعين عن توجهات رئيس الدولة ، الّذين إنتشروا في مختلف المنابر و لم يركنوا هذه المرّة للتفرج ، بأن مرحلة جديدة ستفتتح بعد خطاب 10 ماي 2017 ، و لكن هل ينجح هذا التمشي و هل سيجد قائد السبسي الكفاءات السياسية القادرة على إنجاح المرحلة المتحدّث عنها ؟ لن ننتظر كثيرا لمعرفة النتائج ..أليس كذلك ؟

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499