ما وراء الانتخابات البلدية: رهان تغيير ملامح ممارسة السلطة في تونس

غياب حرارة ترحيب عدد كبير من الأحزاب والرأي العام المسيّس، بإعلان الهيئة العليا المستقلة للإنتخابات عن تاريخ 17 ديسمبر 2017 موعدا للإنتخابات البلدية ، لا يكشف فقط عدم جاهزية هؤلاء لخوض الإنتخابات ، بل يكشف أيضا عدم إدراكهم لأهمية هذا الإستحقاق

 بالرّغم من أن نفس هؤلاء كانوا بالأمس القريب من المنادين بالتعجيل بهذه الإنتخابات و الإعلان عبر المنابر بكونهم بصدد الإعداد لتشكيل جبهات و أحلاف استعدادا لخوض المنافسة .
فالانتخابات المنتظرة لا تشكّل فقط «امتحانا» للتشكيلات السياسية في منتصف طريق المدّة النيابية والرئاسية ، ومرصدا لمعرفة التوجهات الجديدة للقاعدة الإنتخابية الشعبية الواسعة ، وإنّما تعتبر رهانا جديدا في إرساء آليات جديدة في الممارسة المباشرة للسلطة على المستوى المحلّي والجهوي .

إن أحكام الدستور أرست قواعد جديدة في غير مجالات السلطات الثلاث المعروفة (التشريعية والتنفيذية والقضائية) و أحدثت آليات جديدة مباشرة تهدف إلى القطع شيئا فشيئا مع المركزية، ومنح مختلف فئات الشعب إمكانيات جديدة في إدارة الشؤون المحلية و الجهوية والإقليمية ، وكرّست آلية هرمية جديدة ستحدث نقلة نوعية في تسيير الشؤون العامّة و في الممارسة الديمقراطية ، ولكن بشرط أن توضع لتكريسها الآليات القانونية الناجعة.

و استنادا لأحكام الدستور فإن الإنتخابات المتعلّقة بالسلطة المحلية ستحدث تغييرا كبيرا في تنظيم السلطات و ستكون القاعدة الأساسية لتطبيق اللّامركزية الّتي تنطلق من الجماعات المحلية الّتي ستتمتّع بالشخصية القانونية وبالإستقلالية والإدارة المالية و تدبير المصالح المحلية وفقا لمبدإ التدبير الحر. وطبق نفس الأحكام فإن آلية الإنتخاب تنطلق من إنتخاب المجالس البلدية و الجهوية قبل أن تنتخب مجالس الأقاليم من قبل أعضاء المجالس البلدية و الجهوية .

و لكن هذا لا يعني أن تلك المجالس ستكون طليقة و متحرّرة من أي رقابة ، بل ستكون لها صلاحيات ذاتية و صلاحيات مشتركة مع السلطة المركزية وصلاحيات منقولة منها،و هو ما يقتضي إحداث آليات و أجهزة جديدة تكون حلقات ربط ناجعة ومتطوّرة تحكمها قواعد الشفافية و الدقة والسرعة في آن واحد.

كما أن ممارسة مختلف الصلاحيات المشتركة لن تقتصر على الآليات العمودية بين السلط المحلية والسلط المركزية بل ستمارس على المستوى الأفقي أيضا بواسطة الشراكة والتعاون الّتي يمكن أن تنشأ فيما بين الجماعات المحلية المختلفة . لذلك نص الدستور على إنشاء هيكل تمثيلي لمجالس الجماعات المحلية يُسمّى «المجلس الأعلى للجماعات المحلية» يكون مقرّه خارج تونس العاصمة من مهامه النظر في المسائل المتعلّقة بالتنمية و التوازن بين الجهات ويبدي الرأي في مشاريع القوانين المتعلّقة بالتخطيط والميزانية و المالية المحلية ، على أن تُضبط تركيبة هذا المجلس ومهامه بقانون .

من هنا نتفهم حرص بعض جمعيات المجتمع المدني و عدد من التشكيلات السياسية ، على تمسّكها بالدعوة إلى النظر في مشروع قانون الجماعات المحلية قبل الإنتخابات البلدية ، وذلك حتّى لا تبقى المجالس المنتخة منقوصة الفاعلية و لتجنّب التمطيط في بعث كل الهياكل المرتبطة باللاّمركزية ، الّتي تشكّل كنه السلطة المحلية المنشودة .

هذا الأمر ليس هيّنا رغم أن المشروع جاهز، ولكن الإطلاع على المشروع يكشف العديد من التفاصيل الّتي تحتاج إلى مزيد التمعن والتدقيق ،والخشية أن يؤدّي التسرّع إلى السقوط في تناقضات وأخطاء تعطّل مسار اللاّمركزية . لذلك يجب أن تنكبّ الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني والجمعيات الحقوقية من الآن على فتح منابر النقاش حول المشروع ، لتجاوز النواقص وضبط كل الآليات ، كي يكون جميع نواب الشعب جاهزين لدراسة المشروع ومستوعبين لأهمية الرهان عند مناقشته وعرضه على مجلس النواب قبل الإنتخابات البلدية المقبلة.

لقد كشفت الهيئة العليا للإنتخابات تشعب المهام المنتظرة قبل موعد الإنتخابات و ما يتطلّب ذلك من تنسيق» بين وزارات الداخلية والشؤون المحلية والمالية والتجهيز والإسكان والتهيئة الترابية، والهياكل المعنية بالتقسيم الترابي والقضاء الإداري .كما تكشف الأحكام الدستورية أهمية الرهان الّذي ينتظر التونسيين ، للدخول في مسار جديد سيغيّر كثيرا في طريقة ممارسة السلطة،و في دور الأحزاب، وفي مشاركة المواطن الرّاغب في المشاركة في إدارة جانب هام من الشأن العام في نطاق يعنيه بصفة مباشرة . فممارسة المواطنة الفعلية ستنطلق من القواعد المحلية بالمجالس البلدية ، الّتي لم تستهو الإنتخابات التشريعية و الرئاسية جانبا كبيرا منها و بالتالي فإن نجاح تنظيم هذه الإنتخابات و إقناع الناخبين بأهميتها و جدواها ، سيساهم في التقليل من ظاهرة العزوف،و في إنعاش الحياة السياسية العامّة، وفي مزيد تنظيم قنوات المشاركة والتنظم فيها.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499