على وقع التصعيد والتعقّل بخصوص أزمة وزارة التربية و النقابات: منزلقات الاستقواء و تبعاته

رغم بوادر نوايا التهدئة في المناخ الاجتماعي الّتي تبرز بين الفينة والأخرى، فإن الوضع العام ما يزال بعيدا عن التنقية المنشودة للانصراف إلى أمهات إشكاليات التنمية وتجاوز الصعوبات الاقتصادية و المالية الّتي تعيشها البلاد .

و لو أن شأن الأحزاب السياسية و أزمة المجلس الأعلى للقضاء و هواجس الإعداد لإستحقاقات الانتخابات البلدية المقبلة مؤثرة في الشأن العام ، فإن المناخ الإجتماعي تحكمه معادلتان مركزيتان ، الأولى معادلة عدم تهويل المخاطر الإرهابية و بث الرعب بسببها ، من جهة ، و من جهة أخرى الحفاظ على نفس وتيرة الاحتياط و التوقّي من الأعمال الإرهابية و تجنّب «الإسترخاء» في حالة التأهب و الإعداد لمتطلبات مجابهة أي تحرّك أو أعمال محتملة.

أمّا المعادلة الثانية ، فتتمثّل في حتمية مجابهة الصعوبات الاقتصادية عموما والمالية بصفة خاصّة ،من جهة ،و من جهة ثانية تجنبّ التواترات الّتي تتسبّب في تعطيل العمل وفي تشتيت مجهودات الدولة، وفي الحد من الإنتاجية و من نسق تحسن بعض المؤشرات، مثل التحسن الطفيف في قطاع الفسفاط وفي المجال السياحي .

وعندما نتحدّث عن تنقية المناخ الإجتماعي، فإنّنا لا يمكن ألاّ نذكر المركزية النقابية الّتي لا تتحمّل فقط مهمّة الدّفاع عن الأجراء و عن المقدرة الشرائية ، بل تضطلع بمهمّة التعديل و الحفاظ على التوازن بين المطلبية الصرفة والقدرات الإقتصادية المتوفّرة، أي بين المطلوب والممكن ،و ذلك طبق المعطيات المتوفّرة.

ولئن كانت هذه المهمّة لا تدخل في نطاق مجال تدخل النقابات باعتبارها تصنف ضمن المجموعات الضاغطة غير الحكومية، فإنها انخرطت فيها لعوامل تاريخية تعود إلى دورها في الحركة الوطنية وفي بناء الدولة الحديثة بعد الاستقلال ، الّتي منحتها خصوصيات تشاركية في مجال السياسة الإجتماعية جعلتها قوّة اقتراح في الشؤون الإجتماعية و الاقتصادية ومن خلالها تعدّت للشأن السياسي العام.

هذا الدور «التشاركي» للإتحاد العام التونسي للشغل في التوجهات العامّة للدولة تطور بعد جانفي 2011 بالإضطلاع مع منظمات المجتمع المدني ، بمهمة المشاركة في الحوار الرباعي الراعي للحوار الّذي حطّم بعض الحواجز القديمة مع منظمة الأعراف، و كان رائدا و أساسيا في تجاوز المرحلة الانتقالية ومصاعب الاعداد لإنشاء الجمهورية الثانية.

و لكن مخلّفات المرحلة الإنتقالية الّتي سبقت انتخابات 2014 و آثارها في هياكل الدولة و مؤسّساتها ، و تفشي الظواهر السلبية وحالة التسّيب، ولّدت عقلية جديدة لا تعترف بالأولويات و بالتوازنات و تعتمد المساومة وفرض حلولها على السلطة ، التي ساهمت في التشجيع على استضعافها و تحديها أحيانا ، بسبب تردّدها في الحسم في أكثر من مناسبة.

في هذا الإطار يمكن أن تندرج الأصوات الّتي تمسّكت بحقّها في تسمية الوزراء والمسؤولين و في تنحيتهم ،و في السعي إلى فرض مطالب صعبة أو مُوجعة في التطبيق.

وراء هذه الأصوات رغبة في اقتطاع جزء من السلطة ،و تغيير كامل لمفهوم العمل النقابي «على النمط التونسي»ذاته، ولكن دون الأخذ بعين الاعتبار ما هو ممكن ، مع سوء تقدير لردة فعل الرأي العام سواء في أوساط المعنيين بالشأن النقابي أو غير المعنيين به، مثل ما يحصل اليوم بخصوص رفع نقابات التربية في سقف موجة الرفض والاحتجاج ضد وزير التربية ،و ذلك بالتصعيد إلى درجة إقرار إضراب مفتوح و تعليق الدّروس الّتي تخص الملايين من المواطنين بما فيهم عائلات المربين.

إن السياسة التربوية شأن عام يهم كل التونسيين و من حق نقابات التعليم بكل درجاته أن تشارك في مناقشة الخيارات التربوية ،كما هو حق مخوّل لكل المجتمع المدني و الأحزاب السياسية ،و لكن إقرار الخيارات و سن التشريعات لهما ضوابطهما الدستورية و القانونية ،و ليس لأي فئة أن تفرض خيارا معيّنا أو تدّعي لنفسها الحق المطلق في إقرار ما تراه.

لا أحد في تونس راض على أوضاع التربية و التعليم في تونس ،و يتابع الجميع ويعاينون «فقاقيع» التجهيل والتخلّف بكل قلق في آلاف من «رياض الأطفال» و «المحاضن» وفي بعض المدارس الخاصّة ،تحت تسميات مختلفة ، تنخرط دون رادع في خيارات يدعو لها من يعتبرون أنفسهم شيوخ دين و فقه ، للإعداد لمشروع مستقبلي مظلم .

ولا أحد أيضا مرتاح للمستوى الّذي وصلت إليه أوضاعنا التربوية ، الّتي أصبحت من الأولويات الّتي يجب الإهتمام بها قبل فوات الأوان .و لكن لا يتحمّل وزير التربية مسؤولية هذه الأوضاع . و حتّي و إن حمّله البعض جزءا من المسؤولية ، فإن النقابات ليست هي الّتي ستحل ّ محلّه في تغيير الخيارات ، و ليست هي الّتي أوكل لها الشعب التونسي تقييم أداء وزير التربية و قرار تغييره و تسمية غيره .

من حق النقابات أن تبدي رأيها في أداء أي وزير و من حقّها أن تنقده أو تنتقده .و من حقها أن تناقش أي خيار من خيارات أي وزارة،و لكن - لنقلها صراحة و بكامل الوضوح - ليس من حقّها أن تفرض تنحية وزير أو فرض خيار ما بالإستقواء على الحكومة والدولة .

لذلك تابع الرأي العام بإرتياح الموقف المتعقّل لقيادة المركزية النقابية الذي يغلّب خيار التفاوض على لهجة و خيار التهديد. ولكن لا أحد يرتاح لموقف المتفرّج لأغلب الأحزاب السياسية الّتي بدت و كأنها غير معنية بما يحصل ،و كذلك لموقف «النخبة النيّرة» الّتي ما فتئت تنكفئ على ذاتها في منأى عن الشأن العام ، و لنا في ذلك حديث آخر..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499