آفاق تغيير المشهد السياسي في تونس

خلال الأسابيــــع الأخيرة كثر الحديث عن قرب تشكل أحزاب و«جبهات» جديدة، إذ عاد المهدي جمعة آخر رئيس حكومة مؤقتة إلى الظهور وتحدّث عن بعث حزب سياسي، وبرز تحالف جديد بين شق من نداء تونس و تشكيلات سياسية أخرى والإعلان عن قرار دخول غمار الإنتخابات البلدية

المقبلة ضمن جبهة إنتخابية، وأخذ حزب مشروع تونس منعرجا جديدا بإعلانه التخلّي عن دعمه لحكومة الوحدة الوطنية. وأخيرا سجل أحمد نجيب الشابي عودته إلى الواجهة الإعلامية قبل أن يعقد الحزب الجمهوري مؤتمره في نهاية الأسبوع الماضي و إنتخاب عصام الشابي أمينا عاما جديدا له.

هذه الحركية ليست الأولى من نوعها، إذ عرفت تونس خلال السنة الماضية تحركات شبيهة لها، ولكن سرعان ما «خمدت» دون أن تحدث أي تغيير في المشهد السياسي.

وهو ما يقيم الدّليل على محدودية استيعاب تونس لمشاريع سياسية جديدة. بل يمكن القول أن الانقسامات اتسعت، و لم يكن ذلك ناجما عن تباين في الرؤى السياسية أو الاختيارت والتوجهات الاقتصادية، وإنّما هو ناجم في أغلب الأحيان عن حسابات ضيّقة للنخب السياسية الّتي لم تتوصل إلى بلورة رؤية واضحة لتركيز ثوابت الديمقراطية الناشئة لما بعد جانفي 2011. لذلك توقعنا منذ عام تقريبا أن خيار الانفصال عن الكتل القائمة محكوم عليه بالفشل، وأن خيار التجميع و التكتّل هو مفتاح كسب رهان ثقة الرأي العام والدّليل على ذلك أن نجاح نداء تونس كان بفعل التجميع رغم تباين التوجهات فيه، وكذلك كان الأمر بالنسبة لحزب النهضة رغم إختلافات الأجنحة فيه، وبالنسبة للجبهة الشعبية رغم فوارق المرجعيات الفكرية والسياسية فيها (المغرب 6 مارس 2016).

ولكن لو تأملنا في الأوضاع الخاصة بحزب نداء تونس الّذي أسسه رئيس الجمهورية والّذي كان أغلبيا في إنتخابات 2014 نلاحظ أنه أصبح يعيش نزاعا حول هيكله بين مؤسّسيه، مّما جعل الصراع محتدما داخل الأجنحة، بدل أن يتفرّغ لضبط هياكله التنظيمية الّتي تجاهلها لأكثر من سنتين، وأن يصرف كل إهتماماته لوضع منهجية سياسية واقعية لإيجاد الحلول المرحلية والإستراتيجية الكفيلة بإنجاح تجربته الحزبية والعمل على كسب الرهانات الّتي وعد بها ناخبيه.

وحتّى وإن بدا للبعض أن عملية «الإنقاذ» ممكنة في إطار هيكل جديد، قياسا على تجربة « جبهة الإنقاذ» زمن الترويكا، فإن الأمر يختلف لإختلاف الظرف و إختلاف طبيعة المعركة، وبالتّالي فإن تكوين «أحلاف» مصغّرة سيكون بمثابة تكوين كيانات جديدة تحمل نفس «بذور الشقاق» الّتي سبق أن أدّت إلى التصدّع في أحلاف سابقة مماثلة ، لكونها ستكون مبنية على تحالفات ظرفية لمجابهة الإستحقاقات الانتخابية المنتظرة فقط.

أمّا الأفكار المعلنة بخصوص تصورات الحزب الجمهوري الّذي سبق أن كان «منبتا» Pépinière لبعض المسؤولين الحاليين في الحكومة، فإن بناء جبهة وقطب ديمقراطي فاعل، يحتاج إلى هيكل سياسي جامع لكل التشكيلات والأحزاب التّي تتبنى قيم الجمهورية الحداثية غير العقائدية، يستوعب كل القوى الديمقراطية على أساس أرضية شفّافة تقدّم تصورات واقعية جديدة وخلاّقة لإنجاح التجربة التونسية وتجنيبها مخاطر التقوقع.

ولكن المقاربات الّتي تسعى إلى البناء بنفس «الأنقاض» والدوران في دوائر نفس النخب و الحلقات المقرّبة منها، وعدم ضخ دماء جديدة، والتعويل على التحالفات الظرفية دون أن تكون لها قاعدة قويّة، سيكون مآلها الفشل الّذي مُنيت به تجارب سابقة لعدّة أحزاب مثلما حصل للترويكا و القطب و غيرهما.

إن الأحزاب ذات التوجهات الليبرالية أو الإشتراكية أو القومية، بقيت إلى حد الآن تدور في نطاق حلقة النخب و هي لم تتجاوز مجرد العمل على التأثير على سلطة القرار أو المشاركة فيها ، وإستغلال الأحداث والمناسبات والمنابر للتعبير عن وجودها دون أن تقدّم مشاريع متكاملة أو حلولا ناجعة. كل هذه القوى ما زالت تتجاهل التنظيم القاعدي، ولا تمتلك التصورات السياسية و آلياتها والإمكانيات الكافية لبعث أحزاب قوية قادرة خاصّة على إقناع الآلاف المؤلفة من الصامتين، بالإنخراط في العمل السياسي وترك المواقف السلبية وربوة التفرّج.

لذلك سيبقى المشهد السياسي دون تغيير، بإستثناء إعادة خلط الأوراق وإعادة توزيعها بين نفس الأطراف، و ذلك بسبب غياب البرامج و الرؤى السياسية الشفّافة اّلتي تتيح تقييم مختلف التجارب قبل أن تقدّم الحلول الكفيلة بوضع حد لأسباب التدهور والتأزم في مختلف المستويات.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499