بعد المصادقة على قانون المجلس الأعلى للقضاء: ماذا وراء رفض القانون.. وإلى متى؟

انتهى الجدل العلني و المجادلات الخفية حول مشروع القانون الأساسي للمجلس الأعلى للقضاء ، يوم الإربعاء 23 مارس 2016، ليحسم قولا، باستبعاد مشروع الحكومة واعتبار المشروع صادرا رأسا عن مجلس نواب الشعب و بذلك تمّ تخطّي الجدل الّذي تمّت إثارته بقراري الهيئة الوقتية لرقابة دستورية القوانين

اللذين صدرا في 8 جوان 2015 وفي 22/ 12/ 2015 المُقرّين بعدم دستورية إجراءات مشروع القانون الأساسي المتعلّق بالمجلس الأعلى للقضاء وبعض فصوله .
ما تجدُرُ ملاحظته أوّلا أنّه رغم أهمية الموضوع و تعلّقه بشأن مستقبل إحدى ركائز التنظيم العدلي فإن المصادقة على المشروع تكشف غياب الحماس في المشاركة في التصويت ،إذ لم يتجاوز عدد المصوتين 132 أي بنسبة 62 % من عدد النواب . وهو ما يكشف حصول التوافق المسبق على القانون من جهة و من جهة ثانية ،يؤشّر على تسرّب الملل من الخوض في موضوع كثر الحديث فيه ، دون أن يتوصّل المعارضون للمشروع من خارج مجلس نواب الشعب إلى الإقناع بالتصورات الّتي يريدون إدخالها على النظام القضائي التونسي.

لقد كان من المفترض أن يقع الحسم في الموضوع منذ سنة ،و لكن غياب موقف حكومي قوي و حاسم منذ البداية، و إجراءات الطعن و نتائجها و مجريات الأحداث الّتي شغلت مجلس نواب الشعب ، و عدم تنظيم مجابهة المشروع بتصورات واضحة و مقنعة للرأي العام و للمجتمع المدني ، كلّها عوامل ساهمت في تعطيل وضع القانون الأساسي المنظم للمجلس الأعلى للقضاء .

و بما أن الإنتظار لا يمكن أن يبقى إلى ما لا نهاية له ، ولا يعقل أن تبقى بعض المؤسّسات معطّلة ، فقد اختار نواب الشعب المتوافقون على الحسم، أن يتحمّلوا مسؤولية تشريع هذا القانون و يمارسون صلاحياتهم التشريعية، مستأنسين برأي الهيئة الوقتية للقضاء العدلي الّتي «فوّضت النظر» للجلسة العامّة في إتخاذ ما تراه بخصوص جميع المشاريع الّتي تعرض عليها .

إطلاق اليد للجلسة العامة ، الّتي تشرّع في النهاية قوانين الدّولة ، لا يعني أنها تمسك السلطة المطلقة دون أي رقيب ، إذ بقى لرئيس الجمهورية و للهيئة الوقتية لمراقبة دستورية مشاريع القوانين كلمة تبقى محل انتظار .
لذلك تعمل الهيئات الممثلة للقضاة الرافضة لجوانب من القانون ، إلى الضغط ،على أمل أن يقع التراجع بطريقة او بأخرى عن هذا القانون لفرض رؤيتها لمجلس أعلى للقضاء واسع السلطات و الصلاحيات .

لا شك بأن استقلال القضاء شكّل شعارا تداولت على رفعه و الدفاع عنه أجيال من التونسيين ،ليس من قضاة فقط ،بل من أساتذة جامعيين في المجالات القانونية ومحامين ومكوّنات المجتمع المدني و المدافعين عن حقوق الإنسان و عن قيم الجمهورية والديمقراطية . فهو حجر الزاوية لإقامة سلطة قضائية غير مكبّلة الإرادة ، وهذا يعني أوّلا وآخرا ألاّ يخضع القضاة في قضائهم - أي في ما يقضون به - لأي إرادة غير إرادتهم، و ألاّ تمارس عليهـم أية ضغوط بأي طريقة كانت ، و ألاّ يحتكمون إلاّ للقانون ولوجدانهم الخالص.و هذا لا يعني كما سبق أن أكدنا على ذلك في أكثر من مناسبة ، أنهم لا يحاسبون أو لا يراقبون أو أن مجلس القضاء يكون تحت إرادتهم المنفردة في كل ما يتعلّق بشأن الإدارة القضائية والعدل .

لذلك من الخطأ أن تختزل السلطة القضائية في مؤسّسة تمارس صلاحيتها بواسطة هيكل إداري شامل خارج التنظيم الإداري لمؤسّسات الدولة يسمى المجلس الأعلى للقضاء ، وتتنافس الأطراف على المسك بزمامه، كي يسوس ويسيّر كل آليات القضاء و دواليبه المتعدّدة.
هذه النقطة الخلافية المحورية ، هي الّتي تقف في الحقيقة وراء معارضة أي مشروع لا يؤسّس لوضع هذا التصوّر ، و هو ما يثير مخاوف الكثيرين من سلطة قضاة متغوّلة، تكون «سيّدة نفسها». و هذا التخوّف مبرّر نظريا بإعتبار أن كل سلطة مهما كانت، لا بد أن تخضع لرقابة بقية السلطات ، لأن كل سلطة مطلقة تنتهي إلى التجاوز و الحيف و إن سعت إلى العدل. و هذا التخوّف مبرّر واقعيا أيضا لأن الواقع و الممارسة اليومية ، تقيم الدّليل أن أداء القضاء في جانب هام منه ،لا يحوز رضاء الناس ، رغم أنه تخلّص في السنوات الأخيرة من الوصاية و الإملاءات الّتي كانت تُأخذ كمبررّات للتجاوزات و الحيف والمظالم.

لا شك أن في القانون الجديد نواقص أو بعض الخلل، من ذلك افتقاره لأحكام انتقالية ضرورية لبعض الوضعيات القانونية الجارية ، و قد يكون المنحى الّذي اختارته السلطة التشريعية ، ينمّ عن شكل من أشكال فرض الأمر الواقع، و لكن إذا حقق جانبا هامّا من انتظارات العائلة القضائية الموسّعة واستجاب للمعايير الدولية لإستقلال القضاء، فإنّه لا بدّ من تجاوز حالة الترقّب، والبدء في تجربة جديدة محتاجة إلى ترسانة من الإجراءات والتغييرات لتجاوز الأوضاع المتردية للقضاء عموما.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499