في عيد المرأة الريفية: إلى متى ستستمرّ أوضاع هذه المرأة المضطهدة والمُستغَلّة ؟

بين التعليق على تصريحات زعيم النهضة السيد راشد الغنوشي وتنـــاول موضــوع المرأة الريفية بمناسبة احتفالها أمس بعيدها في تونس، كان الخيار على تمييز المرأة الكادحة في الرّيف ،لأنها تبقى في النهاية الطاقة المنسية، في حين أن ما قاله السيد الغنوشي هو من قبيل مخارج الطّاقة المتجدّدة

الّتي تتغذى بردود الفعل سواء كانت بالسلب أو الإيجاب في نطاق الدعاية السياسية «المستدامة» وتتكرر المناسبات وتتعدّد للوقوف عندها.

أمّا الحاضرة دائما والمغيّبة في الغالب ، فإنّها هذه المرأة ، حمّالة الحطب ، و الماء و ذات الظهر المنحني لإقتلاع الأعشاب أو لجني الخضر والبقول والغلال أو لنبش الأرض، أو ذات الهامة المغالبة للأغصان لجني الزيتون و الّلوز والبرتقال ، أو الرّاعية للأغنام والأبقار والتّي تقطع الكيلومترات سيرا على الأقدام أو تُنقل على شاحنات متراصة في القر والحر على حد سواء من أجل لقمة العيش...

هذه المرأة هي الّتي احتفلت أمس بعيد تمّ اختياره لذكرها وللتذكير لما تبذله من مشاق في أعمال الزراعة والفلاحة ، وشؤون كثيرة لا تحصى ولا تعد في العائلات الريفية . ولكن لن يكفي ذلك لمنحها ما تستحقّ من حقوق لدورها الهام في مجال معاشي يشكّل جانبا هامّا في الأمن الغذائي .

فالمرأة الريفية لا تتقاضى الأجرة للمجهود الّتي تبذله في القطاع الفلاحي و أغلب النساء العاملات في الأرياف لا يتمتعن لا بتغطية اجتماعية ،و لا بخدمات صحية ولا رعاية ولا عناية بأي شأن من شؤونها.

و تشير بعض الإحصائيات إلى أن المرأة الريفية تمثل أكثر من 30 بالمائة من عدد النساء في تونس و أن أكثر من 90 بالمائة منهن تعملن في القطاع الفلاحي و تتجاوز ساعات عمل المرأة الريفية في أحيان كثيرة تسع ساعات بأجور كثيرا ما تكون متدنية للغاية .
هذا الاستغلال الفاحش للمرأة الريفية يصاحبه إضطهاد وعنف تفرضه عقليات تسحب من المرأة إنسانيتها ، وتجعلها متاعا لدى البعض في المنزل ، و تستغلّها الأطراف السياسية و تبتزّها بالوعود الكاذبة بتحسين و ضعها ، من أجل الفوز بصوتها ،و هو أمر لم يتغير بعد جانفي 2011 .

ورغم ما بذلته سياسة بورقيبة لرفع الأمية والتنمية الريفية والتنظيم العائلي، ورغم ما حققّته البلاد في مجال البنية التحتية و توفير بعض متطلبات العيش الدنيا في عدّة مناطق، فإن الكثير من الأرياف في جهات مختلفة من البلاد مازالت تعيش أوضاعا متردية ، تتحمّل فيها المرأة الريفية أعباء كثيرة ، خاصّة و أن عقلية الرجل في بعض الأرياف تروق له وضعية البطالة ، فيترك المرأة (الزوجة والبنت الّتي مازالت بعهدته ) مسؤولة على مصدر عيشه، لينعم بإحتساء الشاي و التسلّي بألعاب مختلفة «يقتل بها الوقت».

إذن الاحتفال بعيد المرأة الريفية ، ليس ذكرها في يومها الوطني أو في يومها العالمي ، و إنّما في ترجمة الاعتراف بدورها في التنمية، بتنظيم شغلها و رعايتها صحيا و اجتماعيا ، و تشريع النصوص القانونية الّتي تضمن جميع حقوقها . ويكون في نطاق تنمية جهوية لكل الجهات ، و تنظيم أساليب الإستثمار الفلاحي وذلك بالاحاطة بعمل المرأة الريفية و تخليصها من الاستغلال والاعتراف بحقوقها كاملة بوصفها يدا عاملة منتجة وفاعلة في إقتصاد البلاد. و لعلّه حان الوقت للنقابات أن تلتفت إلى هذه القوّة العاملة، فتعمل على تأطيرها و تضعها في أولويات اهتماماتها لكونها هي الأخرى مدرسة للأجيال و مساهمة فاعلة في أحد أهم القطاعات المنتجة . وعلى الحكومة أن تولي هذا الصنف من العاملين في القطاع الفلاحي الإهتمام اللاّزم باللّجوء إلى سياسة عملية جادّة لتغيير أوضاع هذه المرأة المضطهدة و المُستغَلّة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499